بريطانيا حليف أميركا الضائع
آخر تحديث: 2011/8/18 الساعة 15:47 (مكة المكرمة) الموافق 1432/9/20 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2011/8/18 الساعة 15:47 (مكة المكرمة) الموافق 1432/9/20 هـ

بريطانيا حليف أميركا الضائع

بريطانيا أعلنت عن خطط خفض موسعة لجيشها ضمن خطة تقشف حكومية صارمة (الفرنسية) 

كتب جورج أف ويل بصحيفة واشنطن يقول: أثناء الحرب العالمية الثانية، قال هارولد ماكميلان الذي أصبح رئيس وزراء بريطانيا عام 1957 إن أميركا بمثابة "الإمبراطورية الجديدة ونحن البريطانيين بمثابة الإغريق القدماء، وعلينا أن نعلمهم كيف يديرون الأمور".

ويتساءل ويل: كيف سارت عملية تعليم أهل أثينا لروما؟

ويكمل قائلا: إننا في الشهر الخامس من التدخل العسكري في ليبيا، وهو أمر قالت إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما وقته إنه سيستغرق "أياما فقط وليس أسابيع"، وهو التعهد الذي تحمس له رئيس الوزراء البريطاني ديفد كاميرون أكثر من أوباما نفسه الذي نادرا ما يذكر الأمر. التدخل (في ليبيا) أتى بعد الرغبة الجامحة والمفاجئة التي اعترت كاميرون والرئيس الفرنسي نيكولاي ساركوزي لشن حرب بدوافع إنسانية.

وقبل أن يتحول هدفها (الحرب على ليبيا) إلى تغيير النظام، كان الهدف من الحرب هو منع (الزعيم الليبي) معمر القذافي من التسبب في كارثة إنسانية. يتحدث المسؤولون هنا عن "جريمة ترتكب داخل حيز نطاقنا". ولكن ما هو نطاقنا؟

ويمضي بالتساؤل باستغراب: وبعد الإطاحة بالقذافي -وهي آتية لا محالة- وبعد أن يؤتى بالدول المترددة لحراسة ليبيا من فوضى مؤكدة بعد الحرب، سيتحتم على أولئك المهتمين بالجانب الأخلاقي الإجابة عن السؤال التالي: هل حققت عمليات الناتو –التي لم يشارك بها سوى حفنة قليلة من أعضاء الحلف- أهدافها الإنسانية في تحجيم مستوى العنف في ليبيا؟

عند ذلك –يقول ويل- سيكون بمقدور الناس هنا أن يقرروا مدى عقلانية التعهد الذي جرت خلفه الحكومة البريطانية، التي أعلنت عن إجراءات تقشفية نتيجة الركود الاقتصادي حتى قبل أن تقرر الانخراط في العملية العسكرية في ليبيا وهو الأمر الذي نتج عنه خلل في التوازن بين الأهداف السياسية والموارد العسكرية المتاحة.

قال رئيس الوزراء ديفد كاميرون "لقد حققت بريطانيا إنجازات أكبر من حجمها في العالم وعلينا أن لا نرضى بأقل من الطموح لبلدنا في العقود القادمة".

ويعلق ويل على مقولة كاميرون قائلا إن رئيس الوزراء قال هذا الكلام بينما هو يعلن عن خفض في المعدات العسكرية للجيش البريطاني وبنسبة 10% لسلاح الدبابات و40% لسلاح المدفعية وإلغاء ترخيص ناقلة الطائرات البريطانية الوحيدة التي باستطاعتها حمل طائرات بجناح ثابت. إن ذلك يعني أن بريطانيا ستكون بلا حاملة طائرات –العنصر الأساس في استعراض القوة- حتى 2020.

صحيح أن بريطانيا جزيرة منفصلة، ولكنها ليست في المريخ، فما هي الإنجازات التي ستحققها والتي تفوق حجمها؟

ويستدرك ويل: في محاضرة ألقاها مؤخرا ماكس هاستينغس الصحفي المتميز والمؤرخ المهتم بالشؤون الأميركية، وحثّ فيها القادة البريطانيين على إدراك "إلى أي مدى انخفض اهتمام الأميركيين بنا" والذين لم يعودوا مهتمين بالانتماء إلى أوروبا واحترامهم للجيش البريطاني في انخفاض مستمر خاصة وأن ذلك الجيش قد "تقلص حجمه وأصبح صغيرا جدا".

في عام 2002، وخلال التحضيرات للحرب على العراق، قال قائد الجيش البريطاني حينها لهاستينغس عند عودته من زيارة إلى واشنطن "الحجم مهم، ونحن نفتقر إلى ذلك". ويشير إلى أن قوات المارينز الأميركية أكبر من القوة الجوية الملكية البريطانية. الأميركيون يعلمون "إذا تقلص الجيش البريطاني كما هو مبرمج له بعد الانسحاب من أفغانستان، فلن يكون في وسعنا نشر سوي لواء واحد من سبعة إلى ثمانية آلاف رجل للمهمات ما وراء البحار".

غيتس حذر قبل تركه منصبه الدول الوروبية من خطط خفض التسلح (رويترز) 
ويقول هاستينغس أن لذلك تبعات على "العلاقة الخاصة" بين بريطانيا والولايات المتحدة. ويقول "إذا رغبنا في لعب دورنا التقليدي في الخارج دعما لأي أولوية في السياسة الخارجية الغربية، وإذا أردنا أن نحظى بثقة أميركا ونشاركها أسرارها فعلينا أن نمتلك قواتنا الخاصة بنا وإمكاناتنا الاستخبارية الخاصة بنا لكي نستطيع تحقيق تلك الأهداف".

ومؤخرا، حذر الأمين العام لحلف الناتو أندرس فوغ راسموسن قائلا "إن وتيرة الخفض الحالية" تجعل من الصعب توقع كيف ستستطيع "أوروبا الحفاظ على قوات عسكرية كافية" بالمستقبل للمشاركة بعمليات كالتي تدور رحاها بليبيا اليوم.

ويعلق ويل بالقول: في الواقع، أوروبا لم تستطع تحقيق ذلك اليوم. الذخيرة والاستخبارات وإعادة إمداد الوقود والموارد الأخرى التي تبقي على العملية قائمة في ليبيا هي جميعها أميركية فقط.

وينقل عن هاستينغس قوله إن فرنسا هي الدولة الوحيدة التي تستطيع بريطانيا برفقتها "القيام بعمليات قتالية مشتركة في المستقبل، مع الحفاظ على مستوى معقول من الإنجازات المقبولة.

ولا توجد حكومة بريطانية مسؤولة، تقوم بعقد اتفاق مع شريك أوروبي ليكون مسؤولا بالمستقبل عن عمليات الإنزال مثلا أو تقديم طائرات التجسس القتالية، لأن مستوى المجازفة في ذلك مرتفع لسبب بسيط، وهو أن تلك الدولة الحليف قد لا تكون موجودة بالمستقبل.

وينهي ويل مقاله بالقول إن الناتج القومي الإجمالي لدول حلف الناتو ارتفع منذ نهاية الحرب الباردة بنسبة 55% إلا أن إنفاقها العسكري انخفض 20%. منذ عشيرن عاما، كانت تلك المجموعة من الدول تقدم 33% من نفقات حلف الناتو، اليوم لا تقدم سوى 21%.

لهذا السبب قال وزير الدفاع الأميركي السابق روبرت غيتس قبل تركه منصبه محذرا القادة الأوروبيين بأنهم إذا لم ينتبهوا لمستوى تسليحهم فإن قادة أميركا في المستقبل "قد يعتبرون عائد الاستثمار الأميركي في الناتو غير مجد".



إن حلف الناتو الذي ولد ليقارع الجيش السوفياتي في سهول شمال أوروبا، قد يكون في النزع الأخير في ليبيا اليوم.

المصدر : واشنطن بوست

التعليقات