بناء تركيا بين أتاتورك وأردوغان
آخر تحديث: 2011/8/15 الساعة 13:29 (مكة المكرمة) الموافق 1432/9/17 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2011/8/15 الساعة 13:29 (مكة المكرمة) الموافق 1432/9/17 هـ

بناء تركيا بين أتاتورك وأردوغان

أردوغان القوي سيحاول إعادة تشكيل تركيا لجعلها دولة تعتز بهويتها الإسلامية (رويترز) 

عند انهيار الإمبراطورية العثمانية بعيد الحرب العالمية الأولى، أنشأ مصطفى كمال أتاتورك تركيا الحديثة على الطراز الأوروبي. وبالنظر إلى سيطرته على كافة مراكز القوى والنفوذ وحتى الجيش، قام أتاتورك بتنفيذ رؤيته في الفصل بين الدين والسياسة العامة والحكومة، وأفهم زملاءه بأن عليهم أن يعتبروا أنفسهم غربيين بالفطرة.

استغرق الأمر قرنا من الزمن ثم جاءت ثورة ديمقراطية قام بها حزب العدالة والتنمية التركي –وهو ائتلاف من المحافظين والإصلاحيين الإسلاميين والإسلاميين وصل إلى السلطة عام 2002- لإنهاء ارتماء تركيا في أحضان الغرب.

ومع الاستقالات الجماعية للقيادات العسكرية التركية الشهر الماضي، يكون الجيش التركي الذي يعتبر آخر قلاع الكمالية "الأتاتوركية" قد رفع الراية البيضاء واستسلم للإعصار السياسي الذي غربل تركيا وأعاد تشكيلها من جديد على يد حزب العدالة والتنمية.

إن النهاية السياسية للكمالية في تركيا تفيد أن زعيم حزب العدالة والتنمية رجب طيب أردوغان هو أتاتورك تركيا "الجديد". ربما لا يتمتع أردوغان بصفة المحرر التي تمتع بها أتاتورك ولكنه يتمتع بنفس النفوذ الذي تمتع به أتاتورك في حقبة ما.

عندما أصبحت تركيا ديمقراطية متعددة الأحزاب عام 1950، حاول العديد من الأحزاب وعلى مدى عقود الحفاظ على إرث أتاتورك، في الوقت الذي تولى الجيش حماية النظام.

لكن الرتابة والجمود سيطرا في النهاية. ابتعد التيار الكمالي عن التطلع إلى المستقبل وقيادة عجلة التطور كما كان في بداية عقد العشرينيات من القرن العشرين، وأصابه الجمود ومن ثم تحول إلى فكر لحماية الماضي وحسب. بالنسبة للجيل الذي نشأ في تركيا في العقود الأخيرة، يعتبر انتشار تماثيل أتاتورك بشكل لافت في كل ميدان تقريبا، مؤشرا على تحول الكمالية إلى عقيدة لحماية إرث معين. حدث ذلك بعد انقلاب عام 1980 الذي أنهى الفوضى في الشوارع، ولكنه أتى أيضا بدستور مقيِّد كتبه العسكر.

وبتحويل أتاتورك إلى طائفة، قام الجنرالات بقتل الكمالية من حيث لا يعلمون.

وحتى بعد أن أصبحت تركيا ديمقراطية عام 1982 لم تجر مراجعة تلك الحالة، والأحزاب الحاكمة التي أتى أغلبها من يمين الوسط فشلت في تقديم أفكار لتحقيق التغيير.

الجيش التركي آخر قلاع الكمالية رفع الراية البيضاء باستقالات جماعية لقياداته (الفرنسية) 
الأحزاب الإسلامية الوليدة اغتنمت الفرصة وبدأت في تقديم أفكار تقدمية مبنية على فصل مرن بين الدين والسياسة العامة والحكومة، وهي أفكار من شأنها الحفاظ على الهوية الإسلامية للدولة في السياسة الخارجية.

عندما انهارت أحزاب يمين الوسط بعد الأزمة الاقتصادية عام 2000، استخدم الإسلاميون شعار التحديث لجذب الناخبين. وحالما تبوأ حزب العدالة والتنمية السلطة بدأ بحشد الدعم الشعبي للتغيير، وقد ساعده إلى حد كبير في ذلك عقد من الاستقرار الاقتصادي، وهو إنجاز نسب إلى الحزب.

الحزب الصاعد بدأ تدريجيا يحل محل الكمالية في مراكز القوى والإعلام والأعمال والمجتمع المدني وحتى المحكمة العليا بعد التعديل الدستوري الذي أقر العام الماضي.

كان الجيش آخر معاقل الكمالية. ومنذ عام 2007 تسببت قضية منظورة أمام المحاكم تتهم الجيش بالتخطيط لانقلاب على الحكومة بشل قدرات الجيش على الأخذ بزمام المبادرة. وتعرض الجيش لانتقادات شديدة لاتهامه بالتخطيط للاستيلاء على السلطة بشكل عنيف، والتخطيط لتفجير مساجد إسطنبول التاريخية لخلق حالة من البلبلة وإثارة أزمة سياسية.

ورغم أن تلك الادعاءات لم تثبت بعد، فإن أثرها يمكن أن يرى بوضوح، حيث إن صورة الجيش باعتباره مؤسسة موثوقا بها في اضمحلال مستمر. في عام 1996 أفاد 94% من الذين شاركوا في استفتاء وورلد فاليوز بأنهم يثقون في الجيش، بينما انخفضت النسبة في الاستفتاء نفسه لعام 2011 إلى 75% فقط.

واعترافا بذلك وإدراكا لسطوة حزب العدالة والتنمية، رفع الجيش الراية البيضاء في 28 يوليو. اليوم، وبعد أن أصبح الحزب مركزا للنخبة التركية، يمكنه أن يقود عملية تغيير البلاد.

ومثلما استغل أتاتورك قدرته على تغيير تركيا إلى العلمانية التي آمن بها وفعل ذلك، سيفعل أردوغان الشيء نفسه وسيستغل الفرصة لتغيير تركيا إلى مجتمع محافظ يعتنق الهوية الإسلامية.

في تركيا الأردوغانية، سوف يتخذ الخط الفاصل بين القيم العامة والقيم الدينية شكلا ضبابيا لا يكاد يميزه المرء، وبهذا سيصبح القيام بعمل معارض أمرا مستحيلا.

وعلى صعيد السياسة الخارجية، فإن تركيا السعيدة والمتقبلة لهويتها الإسلامية سوف تتوقف عن اعتبار نفسها غربية بالفطرة، خاصة مع عودة استخدام العبارة الرنانة "العالم الإسلامي" منذ اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001.

وهذا يعني بالنتيجة توترا مستمرا في العلاقة بين تركيا والناتو (تركيا عضو في حلف الناتو وصاحبة ثاني أكبر جيش فيه بعد الولايات المتحدة) رمز المؤسسة الغربية. كما يعني ذلك أن تركيا ستكون منفتحة على كافة الأحلاف غير الغربية. قرار الحزب شراء أسلحة روسية، ودعوة البحرية الصينية إلى إجراء مناورات مشتركة في البحر الأبيض المتوسط ستحظى بتأييد شعبي حتى في أوساط العسكر.



طوال قرن كامل، كان الأتراك يتبعون ويقلدون أصحاب وورثة أتاتورك لأنهم كانوا يمثلون السلطة، اليوم جاء دور أردوغان. فلديه رؤية ويتحكم في مقاليد السلطة. وستحدثنا الأيام إلى أي مدى سيتمكن من إعادة صياغة تركيا وفق رؤيته المحافظة.

المصدر : واشنطن بوست

التعليقات