الرواتب المنخفضة في الجيوب الفلسطينية بالمتوسط أقل من ألفي شيكل (الجزيرة)  

"أزمة مالية في السلطة الفلسطينية" هو تعبير مريح عن وضع لا تكون فيه حكومة رام الله (مرة أخرى) قادرة عشية رمضان أن تدفع كامل رواتب نحو 150 ألف موظف, تعبير قصير، ولكنه ليس صائبا على الإطلاق, فالأزمة -كما يقول الاقتصادي رجا خالدي- هو وضع راهن يحسن جدا مع إسرائيل منذ اتفاق أوسلو, فإسرائيل تسيطر على الضفة الغربية وقطاع غزة، بينما المجتمع الفلسطيني والدول المانحة تمول نفقات السيطرة.

الرواتب المنخفضة في الجيوب الفلسطينية (بالمتوسط أقل من ألفي شيكل) وتأخير الراتب العام الذي تقع فيه السلطة مثل غلاء المعيشة لدينا، فأرباب المال، وغنى الدولة وبؤس الرواتب ترتبط بالنظام الاقتصادي العام الذي صممته حكومات إسرائيل بين النهر والبحر, دليل آخر على أزمة إسرائيلية، حتى وإن كان لأسباب عملية، لا يجري الحديث عن ذلك في خيام الاحتجاج.

خالدي هو اقتصادي في مجال التنمية، يعمل في الأمم المتحدة منذ 25 سنة، ويكثر من الكتابة عن الاقتصاد الفلسطيني في المناطق التي احتلت في 1967 وفي إسرائيل يقول "لا ينبغي المبالغة في عزو الأزمة لتأخير تحويل التبرعات التي وعدت بها الدول العربية".

جذور الأزمة
ويضيف: الأسباب الفورية تتغير ولكن جذور الأزمة المالية العضال للسلطة ترتبط بقدر أكبر بحقيقة أن السلطة مطالبة بأن تحمل على كتفيها، بنجاعة، العبء المالي للاحتلال سواء من حيث كلفته الأمنية أم من حيث كلفة توريد الخدمات للجمهور بينما تظهر أمام العالم كحكومة لـ"دولة"، مع كل التوقعات العادية بالميزانية المتوازنة وبالقطاع العام المقلص, لا توجد حقا أزمة ميزانية في السلطة، بل أزمة في قدرة تنفيذ كل مشروع "الحكومة الفلسطينية" منذ أوسلو.

وأوضح أن نفقات الراتب (نحو 1.7 مليار دولار) وهي نحو ربع الإنتاج المحلي الخام، ضعفا أو ثلاثة أضعاف النسبة في دول أخرى في المنطقة, ولكن الإنتاج المحلي الخام يتقلص، بنيويا، كنتيجة للاحتلال المتواصل، ولهذا يخيل أن نصيب الراتب في الإنتاج المحلي الخام المنخفض كبير حتى وإن كان يخيل أن نصيب القطاع العام "منتفخ".

ولكن هذه سياسة موجهة، بدأها عمليا سلام فياض نفسه في 2001، في بداية الانتفاضة الثانية، حين كان مندوب صندوق النقد الدولي في سلطة ياسر عرفات, فصمم خطة "الدعم للميزانية" الأولى، التي مولتها الدول المانحة (أولا الدول العربية، وبعد ذلك الأوروبية) في أثناء الركود الاقتصادي، مطلوب إنفاق حكومي لتشجيع الطلب المتراكم, وهكذا فإن الحافز المالي القائم منذ عشر سنوات ليس تعبيرا عن قطاع عام منتفخ, هذه وسيلة خاصة لمكافحة القيود الاقتصادية البنيوية التي يخلقها الاحتلال. 

التزام الغرب
وعن سبب الاعتقاد بأن الغرب أكثر التزاما بالمنح من الدول العربية قال "بعد جيلين أيضا من العام 1948، لا يمكن للغرب أن يتجاهل مسؤوليته التاريخية (عن النزاع) والمصالح الأمنية والسياسية الفورية الناشئة عن استمرار هذا النزاع, وهكذا، كل ما هو مطلوب لمنع التصعيد مرتقب، ويتم دون أن تطرح أسئلة حول الكلفة.

ويتابع لا يشعر المانحون العرب، بالمقابل، بمسؤولية تاريخية عن الوضع ودعمهم هو مسألة تضامن مع الأخوان المسلمين فقط, تضامن يرتفع وينخفض بالتوازي مع الوضع الفلسطيني الداخلي ومع درجة خضوع الأنظمة العربية للضغط العربي كي تؤدي مهامها في اتفاق السلام هذا أو ذاك, وهكذا فإنه خلافا للغرب، فإن التبرعات بالنسبة إليهم ليست متوقعة مسبقا، ولا تعتبر كمصلحة أمنية أو سياسية, من ناحية الغرب، إذن، المساعدة هي التزام لا يمكنه أن يتملص منه, أما بالنسبة للدول العربية فهو واجب يفترض بها أن تنفذه".

ويقول خالدي "لا ينبغي أن ننسى أنه من ناحية جوهرية الاحتلال (ربما مع خدمات أقل تميزا، دون فنادق خمس نجوم ودون وظائف مضمونة في السلطة)، تم تنفيذه حتى العام 1993 مع 22 ألف أجير، زائد 120 ألف فلسطيني كانوا يعملون في إسرائيل، وساهموا في الإنتاج المحلي الخام إلى هذا القدر أو ذاك بما تساهم به نفقات السلطة اليوم.
 
ويضيف "اليوم إسرائيل غير ملزمة بأن توفر للفلسطينيين العمل أو الخدمات الاجتماعية والأمنية (مهما كانت محدودة) بينما سيطرتها تواصل التوسع، بفضل ميزانية فلسطينية تمولها الدول المانحة بشكل عام بسخاء, وهذا ما يسمى أزمة وذلك لأن الميزانية لا يمكنها أن تفي باحتياجات ترتيب يسمح للاحتلال بالتوسع والتطور والتحول إلى احتلال أرخص لإسرائيل, في واقع الأمر وهذه كانت الحيلة الحسابية الذكية عندما يكون الطرف الوحيد الذي يجدر به أن يمر بأزمة ميزانية (بسبب الاحتلال)، هو إسرائيل".

المصدر : الصحافة الإسرائيلية