مواجهات بين متظاهرين وقوات الأمن في تونس

قال الكاتب التركي تيمور كوران في مقال نشره بصحيفة نيويورك تايمز إن المتظاهرين الذين أسقطوا حكاما عربا ويهددون بإسقاط آخرين يطالبون بحرية أكثر وانتخابات نزيهة ومحاربة الفساد، لكنهم لم يقدموا أيدولوجية واضحة فضلا عن أن تكون موحدة. وأرجع السبب إلى أن منظمات المجتمع المدني لعبت دورا هامشيا في الاحتجاجات.

وقال الكاتب إن هذا الضعف يعود إلى أمد بعيد، فالعالم العربي لم يعرف جمعيات غير حكومية تكون وسيطا بين الفرد والدولة. وهذا الضعف المزمن في المجتمع المدني يشير إلى أن ديمقراطيات عربية قابلة للحياة، أو قادة يمكن أن يكونوا على رأسها، لن يظهروا في أي وقت قريب. والنتيجة الفورية الأكثر احتمالا للاضطرابات الحالية، هي مجيء مجموعة جديدة من الحكام المستبدين أو أنظمة الحزب الواحد.

وقال الكاتب إن الديمقراطية تتطلب فصل السلطات ووجود رقابة وتوازن بينها، وإنه عبر المجتمع المدني يحمي المواطنون حقوقهم، كما أنها ترغم واضعي السياسات على تحجيم مصالحهم والحد من انتهاكات سلطة الدولة، كما يعزز المجتمع المدني ثقافة النقاش ويعطي قادة المستقبل المهارات اللازمة لصياغة الأفكار وتشكيل التحالفات والتحكم.

المتظاهرون الذين يطالبون بحرية أكثر وانتخابات نزيهة ومحاربة الفساد، لم يقدموا أيدولوجية واضحة وموحدة، والسبب أن منظمات المجتمع المدني لعبت دورا هامشيا في الاحتجاجات
وأكد أن الشروط الممهدة للديمقراطية غير موجودة في العالم العربي، وعزا ذلك جزئيا إلى أن الرئيس المصري المخلوع محمد حسني مبارك والحكام الدكتاتوريين الآخرين أمضوا نصف القرن الماضي في إضعاف وسائل الإعلام وقمع الفكر وتقييد حرية التعبير وحظر الأحزاب السياسية والمشاركة في التحالفات الإقليمية واستخدام المنظمات العرقية والدينية لإسكات الأصوات المعارضة.

وأضاف أن العوائق في المجتمع المدني العربي تعود أيضا إلى أسباب تاريخية تتجاوز سياسات الحكام الحديثة، وقال "حتى إقامة الأنظمة الاستعمارية أواخر القرن الـ19 كانت المجتمعات العربية محكومة بإطار الشريعة الإسلامية، وهو ما يحول دون حكم المنظمات المستقلة في المجتمع المدني..

وبينما انتقلت أوروبا بصعوبة من الحكم الملكي المستبد إلى النظام الديمقراطي، أبقت دول الشرق الأوسط على بنيتها المتسلطة، وهذه البيئة السياسية منعت المؤسسات الديمقراطية من أن تترسخ، مما أدى في نهاية المطاف إلى ظهور الدكتاتوريات العربية الحديثة".

وتابع الكاتب قائلا إن تطبيق الشريعة يفتقر إلى مفهوم المؤسسة، وهي تنظيم دائم وهيكل يحكم ذاته ويمكن استخدامه إما لأغراض ربحية أو لتوفير الخدمات الاجتماعية. وكان بديل المؤسسة غير الربحية هو الوقف، وهي مؤسسة مبنية على الثقة لتقديم خدمات محددة ودائمة وفقا لأحكام الشريعة الإسلامية. وحتى العصر الحديث كانت الجمعيات الخيرية والمدارس وأماكن العبادة في أوروبا الغربية منظمة وفق نظام الوقف الإسلامي في منطقة الشرق الأوسط.

ويشرح الكاتب طرحه فيقول إنه يمكن للمؤسسة أن تتكيف مع الظروف المتغيرة وتشارك في السياسة، لكن الوقف لا يمكنه ذلك. ففي أوروبا المتخلفة أثناء القرون الوسطى استطاعت الكنائس التي تحدثت بنبرة سياسية وكذلك الجامعات والجمعيات المهنية أن تواجه الملوك، بينما لم يفعل الوقف ذلك ولم يشجع الحركات الاجتماعية أو الأيدولوجيات في منطقة الشرق الأوسط.

وابتداء من منتصف القرن التاسع عشر استوردت منطقة الشرق الأوسط مفهوم المؤسسة من أوروبا، وعلى مراحل تولت البلديات والجمعيات المهنية والجماعات الثقافية والخيرية مهام الوقف، ومع ذلك فقد ظل المجتمع المدني العربي ضحلا وفقا للمعايير العالمية.

وأوضح الكاتب أن المواطن العربي في تفاعله مع المنظمات الخاصة أو العامة أكثر اعتمادا على العلاقات الشخصية مع الموظفين أو الممثلين مما في الديمقراطيات المتقدمة. وهذا النمط واضح في إحصاءات الفساد التي تقدمها منظمة الشفافية الدولية التي تظهر أن العلاقات مع مؤسسات الحكومة يُنظر إليها بدرجة كبيرة على أنها صفقات تجارية شخصية، كما أن الاختيار التاريخي للعلاقات الشخصية يحد من أهمية المنظمات، مما يساعد على تفسير الدور الهامشي والضعيف للمنظمات غير الحكومية في الانتفاضات العربية.

قطاع الأعمال العربي يملك نفوذا سياسيا أقل من نظيره بأوروبا، حيث ساهمت الشركات الضخمة في تأسيس المجتمع المدني كقوة سياسية ضد تعسف الحكومة
وتطرق إلى قطاع الأعمال الذي قال إنه ضعيف وأعاق الديمقراطية أيضا، موضحا أن الشرق الأوسط دخل العصر الصناعي بقطاع خاص صغير جدا غير مجهز لمنافسة الشركات العملاقة التي سيطرت على الاقتصاد العالمي. وحتى ذلك الحين تألفت الشركات العربية حصرا من مؤسسات صغيرة وقصيرة الأجل وأنشئت بموجب قانون الشراكة الإسلامية، وكان هذا نتيجة ثانوية لنظام الإرث الذي يهدف إلى نشر الثروة. لهذا عادة ما تنتهي المشاريع الناجحة بوفاة أحد الشركاء، ولتجنب الخسائر يترتب على رجال الأعمال العرب إبقاء المؤسسات صغيرة.

كما أن قطاع الأعمال العربي يملك نفوذا سياسيا أقل من نظيره في أوروبا الغربية، حيث ساهمت الشركات الضخمة في تأسيس المجتمع المدني كقوة سياسية ضد تعسف الحكومة، كما دعم القضايا الاجتماعية بشكل غير مباشر. وعلى سبيل المثال مولت الشركات الأوروبية الكبرى في عصر التصنيع الحملات السياسية بما في ذلك التعليم الشامل.

وبعد هذه الصورة القاتمة يقول الكاتب إن هناك بعض التفاؤل عندما يتعلق الأمر بنشر الديمقراطية في الشرق الأوسط، فليس من الضروري أن يبدأ العالم العربي من الصفر، فهناك مجموعة كاملة من المنظمات الخاصة موجودة بالفعل، وإن كانت في طورها الجنيني. وإذا أنتجت الاضطرابات الحالية أنظمة أكثر تسامحا مع السياسة الشعبية والتنوع في الرأي، فستنشأ بالتأكيد جمعيات قادرة على الدفاع عن الحريات الفردية.

وأوضح الكاتب أنه على مدى السنوات الـ150 الماضية، حقق العالم العربي تحولات هيكلية اقتصادية استغرقت أوروبا لتحقيقها ألف عام. وقد كان هناك تقدم اقتصادي ولو ضئيل لكنه ملحوظ. وإذا كان هناك تخلف سياسي فإن هذا يرجع جزئيا إلى غياب المنظمات غير الحكومية القوية التي يستغرق تشكيلها وقتا.

وفي غضون جيل أو جيلين ستؤدي التحولات الاقتصادية التي عرفها العالم في القرن الماضي إلى الاستمرار في تغيير طريقة تفاعل المواطنين مع المنظمات والضغط من أجل تحقيق الديمقراطية، وقد ينشأ ضغط يؤدي إلى التغيير حتى في مناطق مختلفة من العالم العربي، حيث المجتمع المدني هو الأضعف حاليا.

المصدر : نيويورك تايمز