فلسطينيات يتظاهرن ضد الاعتداء الإسرائيلي على أسطول الحرية التركي (رويترز-أرشيف)

يبدو أن النفوذ الذي نالته تركيا في منطقة الشرق الأوسط، منذ وصول حزب العدالة والتنمية للسلطة في أنقرة، قبل نحو 9 سنوات، قد أصبح الآن على المحك، وبشكل يهدد تركيا بفقدان شعبيتها الكبيرة بين شعوب المنطقة، وذلك وفقا لتقرير أوردته مجلة فورين بوليسي.

ويتوقف التقرير مطولا عند المكانة المتقدمة التي استطاعت تركيا أن تنالها بين أبناء شعوب الدول العربية قاطبة، بسبب موقفها من الحرب والحصار على قطاع غزة، وكذلك دورها في التوسط لإنهاء أزمات عربية داخلية مثل العراق ولبنان، كما استطاعت تركيا أن تقيم علاقات جيدة مع كافة جيرانها، بعد أن اعتمدت سياسة "لا مشاكل" مع دول الجوار.

غير أن التقرير يرى أن رياح الثورات العربية، التي ثارت في أجواء العديد من الدول العربية قبل نحو خمسة أشهر، بدت وكأنها تهدد مكانة تركيا بين الشعوب العربية، على خلفية تباين المواقف التركية مع مطالب هذه الشعوب بالحرية والديمقراطية في بلدانهم.

أردوغان (يسار) طالب مبارك بالرحيل (الفرنسية-أرشيف)
ثورة مصر
ويتوقف التقرير عند الموقف التركي من الثورة المصرية التي تفجرت في 25 يناير/كانون الثاني الماضي، حيث اتخذت تركيا مواقف جريئة وصريحة بدعم مطالب الشعب بالحرية ورحيل النظام، وكانت أجرأ من الموقف الأميركي الذي بدا متحفظا وحذرا، وتجلى الموقف التركي في دعوة رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك إلى الاستجابة لمطالب شعبه والرحيل.

ويرى التقرير أن تركيا اتخذت هذا الموقف لعدة أسباب، من أهمها طبيعة العلاقة مع الرئيس المخلوع مبارك التي اتسمت بالكثير من التوتر، كذلك إدراكا منها بأن مصر –بعد الثورة- قادرة على تبوؤ دور أكبر في المنطقة، عدا عن رغبة تركيا في اتخاذ موقف ينسجم مع موقف ملايين المصريين الذين احتشدوا طيلة أيام الثورة في ميدان التحرير.

ثورة ليبيا
ثم جاءت الثورة في ليبيا، وظهر التباين في الموقف التركي إزاء الثورتين في مصر وليبيا، فرغم لجوء العقيد الليبي معمر القذافي للتحريض على استخدام العنف ضد المطالبين بالحرية فإن أردوغان لم يقم بقطع علاقاته مع القذافي.

وحسب التقرير، فإن أمورا عدة حالت دون ذلك، من بينها أن أردوغان كان قد حصل على جائزة القذافي لحقوق الإنسان، وكذلك حرص تركيا على استثماراتها في ليبيا التي تقدر بنحو 1.5 مليار دولار أميركي، ونحو 30 ألف تركي يعملون في مشاريع البنى التحتية في ليبيا.

ثم أثار الموقف التركي الكثير من الاستهجان، بعد أن عارضت أنقرة قرار الجامعة العربية بدعوة مجلس الأمن إلى تبني قرار لفرض منطقة حظر جوي فوق ليبيا لحماية المدنيين من القصف الجوي الذي لجأ إليه القذافي لإخماد الثورة في بلاده.

القذافي (يمين) يستقبل أردوغان في باب العزيزية بطرابلس (الفرنسية-أرشيف)
وتجددت المعارضة التركية لاستخدام القوة مع بدء قوات حلف شمال الأطلسي (الناتو) ضرباته الجوية على قوات القذافي، حتى إن الموقف التركي كان سببا لتباطؤ قيام الناتو في لجم قوات القذافي بشكل كامل ومنعها من توجيه ضربات للثوار في بنغازي.

ورفضت تركيا -وهي عضو في حلف الناتو- المشاركة في العمليات العسكرية، واكتفت بالقيام بتقديم مساعدات إنسانية، وبدعوة القذافي لتبني إصلاحات سياسية، من أجل وضع حد للتوتر في بلاده، وكما سعت لقيادة جهود للتصالح بين طرفي النزاع في ليبيا.

وبعد تزايد المطالب الدولية برحيل القذافي -بما في ذلك مواقف أصدقائه من قادة أفريقيا الذين حاولوا التوسط لحل الأزمة سياسيا- طرأ تغير على الموقف التركي، تجلى في التصريحات الصحفية لأردوغان التي طالب فيها القذافي بالرحيل، من أجل مصلحة ليبيا ومصلحته الشخصية.

ثورة سوريا
وفيما لا تزال تركيا تحاول ترتيب أوراقها بشأن ما يجري في ليبيا، فوجئت بثورة مماثلة تتفجر في جارتها وحليفتها سوريا، التي اتسمت علاقتها بها بالحميمية، بعد سنوات من التوتر كادت تؤدي إلى حرب على خلفية النزاع على مسار نهر الفرات، والموقف السوري الداعم لحزب العمال الكردستاني، الذي تتهمه أنقرة بمحاولة زعزعة استقرارها.

وشهدت السنوات الماضية توطدا غير مسبوقا في علاقات البلدين، وصل إلى درجة السماح لمواطني البلدين بعبور الحدود بدون تأشيرة، كما أضحت تركيا الشريك التجاري الأول لسوريا.

أردوغان (يسار) نصح الأسد بالإصلاح ولم يطالبه بالرحيل (رويترز-أرشيف)
وما أن تفجرت الثورة الإصلاحية في سوريا، حتى وجهت أنقرة رسالة للمجتمع الدولي محذرة من أي محاولة للتدخل في الشأن السوري، ستأتي بنتائج غير محمودة.

وفيما كان نظام الرئيس السوري بشار الأسد يرسل دباباته وقواته العسكرية للتصدي للمظاهرات السلمية المطالبة بالحرية، اكتفى أردوغان بمطالبة الأسد بإحداث إصلاحات، ولم يتردد في إعلان تأييده للإصلاحات التي أعلنها الرئيس السوري، والتي لم تجد لها سبيلا على أرض الواقع.

ويقول التقرير إن عدة عوامل تحكم الموقف التركي من سوريا، أولها تخوف تركيا من الأكراد الموجودين في جنوبها وشمال شرق سوريا، ثانيا أن نتائج ما يجري في سوريا قد تكون له عواقب وخيمة على سياسة تركيا في الشرق الأوسط.

غير أن التقرير لا يستبعد أن تضطر تركيا -مع تطور الموقف في سوريا- إلى تبني موقف شبيه بالذي اتخذته في ليبيا، والتخلي عن الأسد كما فعلت مع القذافي.

ويقول التقرير إن الحزب الحاكم في تركيا -الذي طالما سعد بصور أردوغان وهي مرفوعة في مخيمات صبرا وشاتيلا في لبنان، والمقارنة بينه وبين الزعيم العربي جمال عبد الناصر- قد يكون مهددا بفقدان هذه الشعبية.

ويخلص التقرير إلى أنه كان من السهل لأنقرة أن تكتسب نفوذا كبيرا في محيطها العربي، طالما كانت الانقسامات الطائفية تسيطر على هذا المحيط، والديمقراطية غائبة عنه، لكن ما أن تبدأ رياح الديمقراطية تهب على المنطقة حتى يتراجع الدور والنفوذ التركييْن.

 

المصدر : فورين بوليسي