ثورات تجاوزت الإسلاميين
آخر تحديث: 2011/5/4 الساعة 17:15 (مكة المكرمة) الموافق 1432/6/2 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2011/5/4 الساعة 17:15 (مكة المكرمة) الموافق 1432/6/2 هـ

ثورات تجاوزت الإسلاميين

الثورات العربية غيرت العالم العربي (الفرنسية)

تعليقا على الأحداث الثورية بالمنطقة العربية مؤخرا, تساءل أستاذ علم الاجتماع ودراسات الشرق الأوسط بجامعة إلينوي عاصف بيات، في مجلة فورين أفيرز عن كيف يمكننا فهم الثورات التي اجتاحت العالم العربي.

وقال إن بعض المراقبين يرون أنها عفوية بدون قيادة وليس لها  فكر أو عقيدة معينة, في حين أن آخرين يرون فيها الموجة التالية للثورات الديمقراطية والليبرالية، ولعل الوصف الشائع لها أنها ثورات الشباب, بينما ما يزال آخرون يعتبرونها ثورات إسلامية وأنها ستحول المنطقة إلى الحكم الديني كما حصل في إيران، وهو الموقف الذي يعتقده الجمهوريون في أميركا, بينما يتفق  المتشددون الإيرانيون على أن الثورات العربية كانت بوحي من الثورة الإسلامية في إيران عام 1979.

صحيح أن مجموعات إسلامية شاركت في الاحتجاجات مثل النهضة في تونس والإخوان المسلمين في كل من مصر وسوريا والمعارضة الإسلامية في اليمن, لكن الحقيقة أن الثورات تجاوزت السياسات الإسلامية التي ازدهرت بالمنطقة قبل سنوات قليلة.

إن مرحلة ما بعد الإسلاميين ليست علمانية أو مناهضة للإسلام, فهي تحتفظ بحرارة بالدين ولكنها تشدد على حقوق المواطنين وتسعى إلى مجتمع ورع ضمن دولة ديمقراطية, ومن أمثلتها الحركة الإصلاحية الإيرانية في التسعينيات والحركة الخضراء حاليا, وكذلك حزب العدالة والرخاء في  إندونيسيا وحزب الوسط المصري وحزب التنمية والعدالة في المغرب وحزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا. وكلها كانت أصولية في البداية ولكنها وبمرور الوقت ضاقت ذرعا بالتطرف الإسلامي واختارت العمل ضمن الدولة الديمقراطية.

ثورات التغيير
وحتى الآن غاب الخطاب الديني عن شعارات المحتجين علاوة على رفض بعض مؤسسي تلك الحركات للنموذج الخميني مثل زعيم حركة النهضة التونسية الذي رفض الترشح لمنصب الرئيس بالانتخابات القادمة, كما أن الثورة في مصر طالبت بالتغيير والحرية والعدالة الاجتماعية وكانت علمانية على نطاق واسع. علما أن الأزهر والكنيسة القبطية لم يؤيدا الثورة. كما أن الحرس القديم للإخوان المسلمين شارك على مضض بعد أن دفعه شباب الإخوان إلى ذلك.

كذلك فإن أعضاء الحكومة والمجلس الانتقالي في ليبيا  ليسوا من الإسلاميين أو القاعدة ولكنهم خليط من العلمانيين والمتدينين كما هو الحال في كل من سوريا واليمن حيث طالب المحتجون بالديمقراطية. لكن الثورة في البحرين اتخذت طابعا طائفيا كون العائلة المالكة من السنة بينما الشعب من الشيعة, لكن ما زالت غالبية المطالب علمانية مثل حكومة منتخبة وحرية الصحافة وحق تشكيل المنظمات ووضع حد للتمييز الديني.

وأشار الكاتب إلى أن الثورات المدنية والعلمانية اليوم تمثل ابتعادا عن السياسات العربية في أواسط الثمانينيات والتسعينيات التي كانت تطالب بإقامة نظام إسلامي يحفظ حقوق العلمانيين, ويختلف أسلوب تحقيق مثل هذا النظام من مجموعة إلى أخرى, ولكن العداء للغرب هو الذي وحد المتشددين والمعتدلين برغم أنه لم يوفق بين اختلافاتهم فيما يتعلق بالسياسة الخارجية.

لقد زرعت الأنظمة العربية المستبدة بذور فنائها بنفسها دون قصد بسبب عدم مواءمة اقتصاديات الأنظمة العربية لمطالب سكانها من الوظائف والأجور حيث انتهجت الحكومات العربية الأجندة الاقتصادية الليبرالية الجديدة في التسعينيات, ولكن تلك الأجندة فشلت في القضاء على الفقر المدقع وعدم المساواة التي ابتليت بها مجتمعات الشرق الأوسط.

وفي الواقع فإن الجمع بين السياسات الاقتصادية الجديدة وشبكة أمان ضعيفة زاد من هوة الدخل بين الأغنياء والفقراء، وزاد من ضعف وضع الطبقة الوسطى وهمش المزيد من مثقفي الطبقة الوسطى.

وقد شهد العقدان الأخيران زيادة في عدد فقراء الطبقة الوسطى ممن حصلوا على شهادات جامعية، وتمكنت تلك الشريحة من الاتصال ببقية العالم واستخدمت وسائل الاتصال الإلكترونية, وتوقعت أن تحظى بعيش على نمط الطبقة الوسطى, ولكنها أجبرت على العيش في فقر بدون وجود آفاق كبيرة للتحسن.

ومثل المجموعات الأخرى المسلوبة الحقوق بالعالم العربي مثل الفقراء المهمشين والنساء والشباب، كافح فقراء الطبقة الوسطى بهدوء لتحسين فرصهم الحياتية. والعديد من النساء المسلمات كافحن لتأكيد وجودهن في الشارع وذهبن إلى الجامعات وسعين إلى العدالة في المحاكم، بينما حاول الشباب تأكيد استقلالهم الذاتي وتغيير السياسات عن طريق الانخراط في المجتمع المدني والعمل التطوعي, ولكن كل تلك المساعي ذهبت أدراج الرياح, وكان التحدي  السياسي الأكبر للأنظمة العربية في التسعينيات هو المعارضة الإسلامية التي يدعمها الكثير من أوساط الطبقة الوسطى.

ورأى الكاتب أن الإسلاميين بدؤوا مؤخرا يفقدون جاذبيتهم، كما فقد النموذج الإيراني الكثير من بريقه بسبب سمعته القمعية. كما أن عنف القاعدة سبب رد فعل عنيف للمسلمين العاديين الذين وجدوا أن ممارسات القاعدة تتنافى مع روح الإسلام الحقيقي. كما أن الكثير من المتدينين العرب عابوا على الإسلاميين حطهم من قيمة حقوق الإنسان والتسامح والتعددية ولم يعودوا قبول استخدام الدين أداة للحصول على السلطة والامتيازات. وبدؤوا في هجر الدولة الإسلامية للحفاظ على الإسلام, وفي نفس الوقت أدركت الطبقة السياسية أن الخطاب القومي ومعاداة الاستعمار وتأييد القضية الفلسطينية يمكن أن ينجح طالما كان مقرونا بالخطاب الديموغرافي للأنظمة المستبدة. وبذلك كانت الخطوة المنطقية التالية هي التركيز على القضية الداخلية الرئيسية ألا وهي الديمقراطية.

رؤية واضحة
وأشار الكاتب إلى أن بدايات رؤية ما بعد الإسلاميين كانت واضحة في مصر عام 2000, عندما تمكنت مجموعة تسمى اللجنة الشعبية للتضامن مع الانتفاضة الفلسطينية من لم شمل الشباب والمجتمع المدني والنشطاء السياسيين لحشد مسيرات جماهيرية ضخمة في ميدان التحرير ضد الحصار الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية.

لكن حركة كفاية عام 2004 كانت هي التي بشرت بقدوم سياسات ديمقراطية في حقبة ما بعد الإسلاميين حيث ركزت أكثر على الديمقراطية وحقوق الإنسان في الداخل بدلا من السياسة الخارجية، وسدت فجوة الانقسامات  العقائدية خاصة بين المتدينين والعلمانيين وبين اليساريين والقوميين، وبذلك تمكنت من تجاوز السياسات الإسلامية الإقصائية.

 وقال بيات إن الطريقة الجديدة لصنع السياسات بحقبة ما بعد 11 سبتمبر/ أيلول أثرت نهاية المطاف بالدوائر الداخلية من الإسلاميين، مجبرة النشطاء والأيديولوجيين مثل شباب الإخوان المسلمين على مراجعة مشروعهم السياسي. 

واتخذ الإخوان المسلمون خطوات تدريجية وعملية تجاه الاعتراف بشرعية الديمقراطية والفصل بين السلطات وحقوق الأقليات، ووصلوا إلى قناعة بأن المسلم يمكن أن يبقى مسلما بكل ثقة حينما تكون له دولة ديمقراطية كما في النموذج التركي.

ومع تقدم وسائل الإعلام الإلكترونية حصل الناشطون المسلمون والعلمانيون على فرصة غير مسبوقة للاتصال وتحريك الجماهير ووضع مطالبهم الديمقراطية على الأجندة, وهكذا مع نهاية عام 2010 برزت وانتعشت رؤية سياسية شعبية جديدة ووسيلة تحقيقها جاهزة لقيادة الثورات الحالية.

ويبقى علينا –كما يشير الكاتب- أن نرى ما إذا كانت رؤية ما بعد الإسلاميين يمكن أن تستمر بعد أن تخبو حمى الثورات. ومن المؤكد أن هناك احتمال عودة الأصولية. فالسلفيون في مصر الذين عارضوا الثورة يعيدون تجميع أنفسهم في المساجد والشوارع ويرسلون رسالة مفادها أن الديمقراطية حرام. ويمكن للسلفيين أن يستقطبوا بعض الدعم بتركيزهم على القضايا الدينية والأخلاقية.

ورغم ذلك فالأمر الواضح هو أن هناك عبئا ثقيلا بانتظار الديمقراطيين سواء كانوا من المتدينين أو العلمانيين، وعليهم العمل لإخراج القيم الديمقراطية من كتب الأحكام لتعبئة المواطن العادي. فإذا كان بمقدور السلفيين القيام بعمل كبير فإن بمقدور القوى الديمقراطية القيام بالشيء نفسه.

المصدر : فورين أفيرز

التعليقات