من الغريب أن يرفعوا نفس مطالب المواطنين في البلدان العربية المطالبة بالديمقراطية (الجزيرة)

حظيت مظاهرات واعتصامات الشباب الإسباني الغاضب على الطبقة السياسية والداعي لمقاطعة الانتخابات الأحد القادم باهتمام الصحف الإسبانية التي تحدث بعضها عن "جيل تحرير" وعن "ربيع إسباني" ألهمه ربيع الثورات العربية.

وفي مقال له بصحيفة "ألباييس" الإسبانية اعتبر خوسيب رامونيدا تعليقا على الاحتجاجات في إسبانيا ضد الطبقة السياسية أنه حين يتحول القلق إلى غضب لا تبقى بعد ذلك غير المرحلة الأصعب وهي تحويل الغضب إلى سياسة، معتبرا أن "هناك من يزعمون استحالة ذلك" لكن التاريخ شاهد بالأمثلة على إمكانيته.

سرقة الديمقراطية
ويتساءل رامونيدا عن مصير الحقوق المدنية للسود بأميركا لولا النضالات التي حصلت في ستينيات القرن الماضي، وما كان سيكون عليه حال الأنظمة السوفياتية لولا الغضب الذي دفع بآلاف المواطنين إلى الشوارع.

وأضاف "مثل الغضب في مرات كثيرة المرحلة التي تسبق التغيير السياسي كما رأينا منذ فترة وجيزة في البلدان العربية, ومع أن المصير النهائي للثورات غير مضمون فإن ما هو مؤكد هو أن الغضب أدى إلى نتائج سياسية".

وأعاد رامونيدا ظاهرة "جيل التحرير" إلى تفاقم التفاوت الاقتصادي بشكل كبير في إسبانيا، وحمل السلطة المسؤولية حين تسعى إلى تحميل المجتمع الخسائر في وقت توزع فيه "بشكل وقح" الأرباح على المحظوظين، وهو ما يعطي أساسا وجيها للغضب.

مثل الغضب في مرات كثيرة المرحلة التي تسبق التغيير السياسي كما رأينا منذ فترة وجيزة في البلدان العربية, ومع أن المصير النهائي للثورات غير مضمون فإن ما هو مؤكد هو أن الغضب أدى إلى نتائج سياسية

ويرى أن الحكومة فقدت القدرة على إدراك القلق الاجتماعي، فيما اكتفت المعارضة بانتهاج إستراتيجية "كلما ساء الوضع فذلك أفضل"، وهو ما يعني أن أنظارها تتجه إلى السلطة لا إلى المواطنين، وذلك في وقت تحد فيه الثنائية الحزبية بشكل خطير من خيارات المواطنين، وهو ما يجعل من المنطقي شعورهم بأنهم غير معترف بهم وبأن الديمقراطية "مختطفة".

ويضيف "في هذه الأيام يعبرون عن غضبهم، ومن الغريب أن يرفعوا نفس مطالب المواطنين في البلدان العربية (المزيد من الديمقراطية, فالعرب يفتقدونها)، أما نحن فلدينا ديمقراطية لكن تبدو عليها بوضوح أمارات التدهور والابتعاد عن المواطنة. والمطلوب هو إعادة الحيوية للديمقراطية لصالح المواطنين، وهو أمر يتعدى مجرد التصويت كل أربع سنوات".

تجاوز المقارنة
ورصدت صحيفة "ألبريوديكو" أوجه شبه بين الاحتجاجات التي دشنها شباب إسبان في ساحات مدريد وبرشلونة ومدن أخرى، وميدان التحرير في القاهرة، لكنها دعت إلى "تجاوز المقارنة المجردة" والانتباه لظاهرة "الغاضبين" التي ولدتها في إسبانيا حملة انتخابية "بدون أفكار".

وترى الصحيفة -في افتتاحيتها اليوم- أن الظاهرة تكشف على الأقل عن وجود تيار عميق ذي مكونات مختلفة تتراوح خلفياته ما بين الأفق المظلم الذي رسمته الأزمة الاقتصادية وسياسات التكيف التي انتهجت حيالها، إلى القدرة على التعبئة التي باتت تميز التقنيات الحديثة، والتي تظهر "تقادم" وسائل النضال السياسي التي ظلت إلى وقت قريب حكرا على القنوات الحزبية والنقابية.

وتصف الصحيفة رد قادة من اليمين واليسار على الظاهرة بـ"السطحي" للغاية، حين ربطت قيادية في الحزب الشعبي الشباب الغاضبين بـ"اليسار المتطرف المنفلت عن الحزب الاشتراكي"، وحين عبر قيادي اشتراكي عن "تفهمه للشباب المتمردين".

وتعبر الصحيفة عن القلق من أن يفاقم قرار الهيئة الانتخابية لمدريد حظر التجمعات في نقطة الكيلومتر صفر بمدريد التباعد بين المحتجين والمؤسسة السياسية.

وتخلص "ألبريوديكو" إلى الدعوة للتفكير "دون أحكام مسبقة" حول ما يحصل. فـ"من المؤكد أن ثلاثة أيام تفصلنا عن انتخابات، كما لا ريب في الغموض الأيديولوجي الذي يكتنف المحتجين وفي أن خلفية المعتصمين قد تخبئ مفاجآت, لكن رغم ذلك، فإن هذا الشكل الجديد من الاحتجاجات يستصحب ما هو أكثر من ذلك".

تحفظ نحو الغرب
وفي موضوع الثورات العربية، أرجع خوسيه ماريا كاراسكال في مقاله المنشور في "آ بي ثي" اندلاعها إلى عوامل عولمة الاتصالات، ووجود جيل عربي شاب لا حل أمامه سوى الهجرة، حيث يعامل كصنف ثان من البشر، ورأى أن الثورات "لا تقودها القاعدة ولا الإخوان المسلمون ولا طالبان ولا آيات الله"، ولكنها أيضا ليست ثورات على القيم الدينية كما كان عليه الحال في الثورات الغربية.

صورة الغرب لدى شباب العالم الإسلامي -المركبة من تقدم مادي ينظرون إليه بإيجابية وفقر أخلاقي لا يريدونه لمجتمعاتهم- هي أمر لا بد من وضعه في الحسبان لدى رسم السياسات اتجاه الثورات العربية

وأضاف أن الشباب العربي "لا يطالب بالسير على خطى الغرب ولا أن يقود الغرب, فعدد كبير من الشباب عاشوا في الغرب وآخرون يعرفونه عن طريق أفلامه وكتبه وحواسيبه، لكنه لم يقنعهم".

ويرى خوسيه أن صورة الغرب لدى شباب العالم الإسلامي -المركبة من تقدم مادي ينظرون إليه بإيجابية وفقر أخلاقي لا يريدونه لمجتمعاتهم- هي أمر لا بد من وضعه في الحسبان لدى رسم السياسات اتجاه الثورات العربية, فالجيل الجديد يريد لبلدانه "تغييرا لكنه ليس جذريا، ويريد ديمقراطية لكنها ليست على طريقتنا".

ويتساءل الكاتب عن الدور الذي يسع الغرب القيام به في الثورات؟ ويجيب بأن "أول ما يجب حسب الخبراء هو ألا نتدخل تحت أي ظرف بشكل مباشر, فنحن نتعامل مع شعوب ظلت حتى الأمس تحت الاستعمار، وأي تدخل -حتى في حالة "حرب عادلة"- سيفهم على أنه استعمار جديد".

أما الأمر الثاني فهو "ألا نحاول فرض أشكالنا الديمقراطية التي قد لا تلائم تلك المجتمعات, وذات الأمر بالنسبة للزعماء, ألا نفرض الموالين لنا ومن عاشوا ردحا طويلا في الغرب ويتكلمون بطلاقة الإنكليزية أو الفرنسية" بل يجب -حسب الكاتب- أن تكون الشعوب هي من تختار زعماءها, ويختم الكاتب "واجبات الغرب" اتجاه الثورات العربية بضرورة دعم مسارات التحول دون إكراه أو مصادرة، ثم "الصبر كثيرا" على مواكبتها.

المصدر : الصحافة الإسبانية