متظاهرون في ميدان التحرير بالقاهرة (الجزيرة-أرشيف)

تساءل الكاتب ديفد إغناتيوس عن طبيعة الثورات العربية وهو يحاول مقارنتها بأحداث كبيرة سابقة. وقال إغناتيوس -في مقال نشره بصحيفة واشنطن بوست- إن ما يجري في البلدان العربية قد يشبه ما حدث في أوروبا عام 1848، أو سقوط جدار برلين عام 1989، أو ربما سقوط الشاه في إيران عام 1979.

وأوضح الكاتب أن الثورات الديمقراطية في العالم العربي تحمل جميع عناصر هذه الأحداث التي سبقتها، وقال إن أقوى ما سمعه في البلاد العربية لم يأت من الحواجز المنصوبة في الشوارع، ولكن من يأس الزعماء الذين يكادون يكررون صراخ الجنود الفرنسيين في معركة واترلو عام 1815 وهم يصيحون "انجوا بأنفسكم".

ما يجري في البلدان العربية قد يشبه ما حدث في أوروبا عام 1848، أو سقوط جدار برلين عام 1989، أو ربما سقوط الشاه في إيران عام 1979

وقال الكاتب إن التشبيه بعام 1815 في محله لأنه يذكرنا بأن نظام قوة مسيطر تتحكم فيه الولايات المتحدة بدأ يتهاوى مع التغيير الذي يشهده العالم، وأن هناك إطار عمل في طور البناء من أجل ضمان الاستقرار، لأن مسار التغيير في عام 1815 قاد إلى مؤتمر فيينا وأدى إلى ظهور منظومة سياسية جديدة.

وتحدث الكاتب عن أوجه التعامل مع التغييرات في البلدان العربية مستعرضا إياها كلا على حدة؛ فقال إن بعض الحكام العرب ومنهم الملك عبد الله الثاني على سبيل المثال شجعوا التغيير السياسي على أمل بناء شرعية جديدة.

أما البعض الآخر -مثل القذافي وبشار الأسد- فقد استخدم القوة لإرغام شعبيه على الطاعة، مضيفا أن استخدام القوة قد يمنح متسعا من الوقت، لكن كلا من الأسد والقذافي يتجه إلى السقوط، لأنهما فقدا شرعيتيهما عندما لم يترددا في قتل مواطنيهما.

وأكد الكاتب أن وراء هذا السعي المحموم للحفاظ على الذات يتجلى تفكك إمبراطورية أميركية مترددة. فالملوك والرؤساء -ناهيك عن الناس في الشوارع- رأوا كيف لم تنقذ أميركا عملاءها في مصر. فأميركا المنهكة في العراق وأفغانستان -والتي ربما أصبحت أكثر حكمة بسبب هذه الحروب- لم تجد مجالا لإنقاذ الطغاة المستبدين.



وقال الكاتب إن تخلي واشنطن عن مبارك في مصر صدم الإسرائيليين والسعوديين وبعض القوى التقليدية الأخرى، لكنه في الحقيقة كان اعترافا بالواقع، إذ لا توجد قوة داخلية أو خارجية يمكنها قمع مليون شخص في ميدان التحرير مستعدين للموت في سبيل قضيتهم.

وقال الكاتب إن في مثل هذه اللحظات التي تشهد تفكك التحالفات، تجد البلدان المحررة حديثا بعض المعالم المرجعية؛ فبعد 1989، استطاع شرق أوروبا أن ينظر إلى الاتحاد الأوروبي من أجل نموذج سياسي واقتصادي، فيما اتجهت منظمة حلف شمال الأطلسي إلى الضمانات الأمنية. وبعد انهيار الإمبراطورية العثمانية في عام 1918، حكم البريطانيون والفرنسيون لفترة وجيزة أجزاء من الأراضي التي كانت بأيدي العثمانيين، وعندما انتهت تلك السيطرة بعد عام 1945، جاءت الهيمنة الأميركية وتم فرض وجود إسرائيل.

البلدان العربية تشهد وضعا بين نظامين؛ انتهاء القديم الذي جسده مبارك والقذافي، بدون وجود خليفة حتى الآن. وفي هذا الفراغ السياسي يتنافس الزعماء السياسيون من أجل الحصول على مواقعهم فيه

وأوضح الكاتب أن البلدان العربية تشهد وضعا بين نظامين. انتهاء القديم الذي جسده مبارك والقذافي، ولكن بدون وجود خليفة حتى الآن. وفي هذا الفراغ السياسي يتنافس الزعماء السياسيون من أجل الحصول على مواقعهم فيه، وفي كثير من الأحيان يتحركون باتجاهين في آن واحد. فالملك الأردني مثلا تعاطف مع المحتجين في البحرين، لكنه يتحرك أيضا للانضمام إلى السعودية التي تقود توجه دول مجلس التعاون الخليجي الذي أرسل قوات إلى البحرين.

والعاهل السعودي الملك عبد الله منزعج جدا من أميركا بسبب تخليها عن مبارك لدرجة أنه وجه الأمير بندر مبعوثا إلى الصين ودول آسيوية أخرى سعيا إلى حلفاء جدد. لكن السعودية لا تزال تعمل بشكل وثيق مع وكالة الاستخبارات المركزية ضد "الإرهاب"، ومع القيادة المركزية الأميركية في المسائل الأمنية.

ونصح الكاتب الرئيس باراك أوباما بأنه إذا كان يريد أن يأخذ موقعا مؤثرا في الموضوع، فعليه أن يتأمل ما حدث عام 1815. وكان هذا موضوع أطروحة رسالة دكتوراه هنري كيسنجر (نشرت في عام 1954 بعنوان "عالم مُعاد البناء")، لأن الموضوع متجدد، فكما أوضح كيسنجر، فقد وجد رجال الدولة بعيدو النظر في مؤتمر فيينا وسيلة للتوفيق بين مصالح الدولتين المسيطرتين، وهي بريطانيا والنمسا، ومصالح القوى الصاعدة فرنسا ما بعد الثورة، وروسيا وبروسيا.

وختم الكاتب مقاله بمثل فيزيائي، فقال إن السلطة تكره الفراغ، كما هو الوضع الآن، وقال "ربما نحن في عصر ما بعد أميركا في الشرق الأوسط، ولكن هذا لا يعني أن الولايات المتحدة يجب ألا تعمل مع حلفائها في إطار هذا التحول، أو هذا العالم المعاد بناؤه".

المصدر : واشنطن بوست