متظاهرون في ساحة التغيير بصنعاء (الفرنسية)

تحمل الثورات التي يشهدها العالم العربي عددا من نقاط التشابه التي اجتاحت أوروبا عام 1848 وأوروبا الشرقية والاتحاد السوفياتي السابق عام 1989 كونها تحمل قاسما مشتركا في انطلاقتها وهو القمع والفساد وتصلب الأنظمة الحاكمة في قبول خيار الشعب.
 
هذا ما خلص إليه الأستاذان الأميركيان جاك غولدستون وجون هازل في مقال سينشر في العدد الفصلي المقبل لمجلة فورين بوليسي تحت عنوان فهم ثورات 2011.
 
وتركز المقالة المشتركة للأستاذين في جامعة جورج ماسون على مقارنة الأسباب التي دفعت الشعوب للانتفاض ضد الأنظمة الحاكمة عبر التاريخ بالقول إن الأسباب تكاد تكون واحدة -مع الخصوصية التاريخية والجغرافية لكل بلد- لكنها تختلف في الأساليب بدءا من تمرد الفلاحين في الأنظمة الإقطاعية وصولا إلى ثورة الصورة وتجييش الشارع عبر وسائل الاتصال الحديثة.
 
بيد أن الثورات -كما يقول الكاتبان- وعلى مر العصور كانت تمتلك شروطا لنجاحها وهي عدم قابلية النظام للإصلاح، ووجود رافعة شعبية للتغيير، ووقوف المؤسسة العسكرية إلى جانب الثورة.
 
الأنظمة الحاكمة
ويشير المقال إلى أن الأنظمة الدكتاتورية الحاكمة عبر التاريخ كانت على الدوام تحمل بذور سقوطها من الداخل والتي تنتقل إليها بالوراثة الجينية مع اختلاف اسم الحاكم بل وتزداد هشاشة وضعفا مع الزمن في معادلة ذات حدين الاستزادة في الثروة ومكافأة الموالين والاعتماد على تمركز القوة في دائرة محددة والتي تتحول لسبب من الأسباب إلى عبء على النظام لا إلى عون له، كما هو حاصل في اليمن الآن، على حد تعبير الكاتبين.
 
مظاهرة معرة النعمان في سوريا للمطالبة بالحرية (للجزيرة نقلا عن مواقع إلكترونية)
ويقف الكاتبان عند بعض النقاط الخصوصية المرتبطة مباشرة بالثورات العربية التي تدافعت الواحدة تلو الأخرى مع بداية العام الحالي حيث يشير مقالهما إلى أن البطالة التي تعود أصلا في جذورها إلى زيادة عدد السكان وعدم التوزيع العادل للثروة والإحساس بالتهميش والإقصاء كانت السبب المباشر لاندلاع الشرارة الأولى لثورات الشباب الذين تراوح أعمارهم بين العشرين والخامسة والثلاثين وهم يشكلون الغالبية العظمى لأن معظم المجتمعات العربية هي مجتمعات فتية.
 
المفارقة الغرببة التي يضعها الكاتبان أن هذه الأنظمة الشمولية وعبر سياسات التحديث التي قامت بها على أنظمة التعليم وتوسيع قاعدتها الشعبية كانت السبب وراء منح هولاء الشباب لتطوير وعيهم الاجتماعي والسياسي وقراءة معطيات الواقع واستخدام هذه المعرفة العملية في تحديث أدوات الثورة ضد الأنظمة الحاكمة.
 
الأسباب والأدوات
وهنا يقف مثال البوعزيزي في تونس -الشاب الجامعي الذي رأى في عربة الخضار وسيلة للاسترزاق والبحث عن لقمة العيش- صورة عملية لهذا التعارض الصارخ بين المستوى التعليمي والبطالة باعتبار أن الشباب الجامعي في مصر وتونس كان الوقود الأول المحرك للثورة في البلدين، قبل أن تتحول الانتفاضة إلى معركة صدامية مع الأجهزة الأمنية.
 
من قصف قوات القذافي لمدينة مصراتة (الجزيرة)
ويلفت الكاتبان إلى أن الثورتين المصرية والتونسية استطاعتا وخلال فترة قياسية إسقاط النظامين الحاكمين بسبب تخلي المؤسسة العسكرية عنهما ودعمتا التحرك الشعبي فيهما -في صورة معاكسة لما يجري حاليا في ليبيا- واليمن حيث انقسم الجيش بين موال ومعارض، وأما في سوريا فلا تزال المؤسسة العسكرية متماسة حتى الآن.
 
أما بالنسبة للأنظمة الملكية القائمة في العالم العربي مثل المغرب والأردن فيبدو الوضع مختلفا رغم وجود التشابه الديمغرافي والتعليمي والاقتصادي للدول الأخرى التي تشهد ثورات ضد حكوماتها وذلك يعود -برأي الكاتبين- إلى أن هذه الأنظمة تتمتع ببنى سياسية عالية المرونة حيث يمكن للأسر المالكة الإبقاء على سلطاتها التنفيذية مقابل تقديم المزيد من الإصلاحات على المستوى التشريعي مما يجنب بلدانهم انتفاضات تطالب بتغيير النظام.
 
الآمال والعقبات
لكن السؤال الأهم الذي يطرحه الكاتبان هو: هل ستحقق هذه الثورات النتائج والغايات التي قامت من أجلها؟
 
ويجيب الأستاذان الأميركيان عن هذا السؤال بالإشارة أولا إلى إن الثورة كفعل مباشر مادي على الأرض ليست سوى بداية لعملية طويلة قد تمتد لسنوات باعتبار أن تغيير النظام بكافة بناه السياسية والأمنية يشبه زلزالا تتبعه توابع أخرى ذات دوائر أقل حدة لكنها تتلاحق حتى يستقر الوضع إلى حالة الهدوء، إلا في حال اندلاع الحرب الأهلية -كما هو حاصل في ليبيا- حيث تكون عملية استعادة الاستقرار مرشحة لفترة أطول زمنيا فضلا عن عدم القدرة على التنبؤ بنتائجها.
 
ويرى الكاتبان أن من أخطر المسائل التي تواجه الثورات هي المرحلة التي تلي إسقاط النظام –العدو المشترك- حيث تظهر الخلافات الداخلية تطبيقا للمبدأ المعروف الذي انتجته الثورة الفرنسية وهو "الثورة تأكل أبناءها".
 
وينبه الكاتبان إلى أن طبيعة الثورات العربية -وتحديدا تلك التي نجحت في إسقاط النظام الحاكم مثل مصر وتونس- تقف في تركيبتها على متناقضات كثيرة، مشددين على الحالة المصرية حيث تتوزع الولاءات إلى التركيبة الدينية ومن ثم التوجهات السياسية، الأمر الذي يضع هذه الدول أمام تقلبات سياسية تتمثل بالعجز أو التأخر في تشكيل الحكومات وإقرار الإصلاحات المطلوبة.

المصدر : فورين بوليسي