محتجون يحتمون من إطلاق رصاص على مظاهرة بإحدى ضواحي دمشق يوم الجمعة الماضي (رويترز)

يتفق المحللون السياسيون المتابعون أن ما يجري في سوريا من أحداث -أيا كانت نتائجها- ستلقي بظلالها على المنطقة بأكملها بسبب الفسيفساء العرقية والدينية المعقدة لهذه البقعة من العالم.
 
هذا ما جاء في مقدمة مقال للكاتب الأميركي روبرت دي كابلان تستعد مجلة فورين بوليسي لنشرها في عددها الفصلي الجديد الشهر القادم.
 
ويستهل الكاتب قراءته للمشهد السوري بالإشارة إلى التسمية التاريخية للجمهورية العربية السورية -وهي سوريا الكبرى- وما تختزنه من معطيات إستراتيجية هامة للمنطقة تتجاوز بكثير مساحتها التي رسمت مطلع القرن العشرين ضمن ما بات يعرف باسم اتفاقية سايكس بيكو.
 
ويعود كابلان للمرحلة العثمانية بالقرن الـ19 عندما كانت سوريا هي تلك البقعة من الأرض التي تمتد من جبال طوروس شمالا إلى الصحراء العربية في الدنوب، ومن البحر الأبيض المتوسط غربا إلى بلاد الرافدين شرقا أي أن سوريا -وبالتسميات الحالية- كانت تضم المناطق الجنوبية من تركيا (بما فيها طبعا لواء إسكندرون) ولبنان والأردن وفلسطين والمناطق الغربية من العراق.
 
الهوية الجامعة
ويتابع الكاتب -صاحب الدراسة الشهيرة عن الشرق الأوسط بعنوان "انتقام الجغرافية"- أن الهوية القومية السورية في إطارها العروبي لم تظهر بشكل واضح إلا مع الانتداب الفرنسي وبعدها خلال تحول الجمهورية إلى منصة قومية ضد إسرائيل، مشيرا إلى أن هذه القومية الجامعة تضم في تفاصيلها العديد من التناقضات العرقية والدينية التي وحدها الصراع العربي الإسرائيلي منذ 1948.
 
الرئيس بشار الأسد في كلمته التي ألقاها بالجلسة الأولى للحكومة الجديدة (رويترز-ارشيف) 
بيد أن الأحداث الداخلية التي عانتها المنطقة في الثمانينيات وتحديدا في حماة، وما يجري حاليا من احتجاجات تهدد النظام الحاكم في سوريا تكشف وإلى حد كبير هشاشة هذه التركيبة، في تكرار لما حدث بعد الانتخابات البرلمانية في الأربعينيات والخمسينيات في القرن الماضي مع الفارق الكبير في طبيعة النظام حينذاك والقائم حاليا.
 
ويذهب الباحث الأميركي للقول إنه وفي حال تخلخلت أو ضعفت السلطة المركزية فإن التأثير المحتمل لهذه التغييرات ستكون أكبر بكثير مما حدث في العراق.
 
بلقنة المنطقة
ويبرر كابلان فرضيته بالقول إن العراق محاط بدولتين قويتين هما إيران في الشرق وتركيا في الشمال ومنفصل عن السعودية والأردن جنوبا وعن سوريا غربا بمساحة شاسعة من الصحراء، ومع ذلك -يقول الكاتب- دفعت الحرب الأميركية بملايين العراقيين إلى الأردن وسوريا.
 
ويقارب الكاتب السيناريوهات المحتملة لأي مسعى لتفكك سوريا بما جرى في يوغسلافيا السابقة بسبب وجود تجمعات سكانية كبيرة من الحدود مع لبنان والأردن، وكلتا المنطقتين لا تبدوان مستقرتين كليا في الوقت الراهن.
 
ويضيف أن توجه الأوضاع في سوريا إلى حالة من الفوضى الأمنية والسياسية ستدفع تجمعات سكانية كبيرة باتجاهات جغرافية ذات تركيبة طائفية تتجاوز في خطوطها وتقاطعاتها ما رسمته اتفاقية سايكس بيكو الشهيرة.
 
وأشار الكاتب إلى أن تلك الاتفاقية وضعت بين تفصيلاتها على الأرض جيوبا من عناصر عرقية ودينية متداخلة بشكل متشابك مع أغلبية ذات طبيعة دينية وطائفية واحدة، منها على سبيل المثال وجود عدد كبير من المسلمين السنة في لبنان في إطار نظام تقتصر الرئاسة فيها على شخصية مسيحية مارونية.
 
ويخلص للقول إن سوريا بسبب موقعها المتوسط بالمنطقة كانت تشكل مركزا قويا استطاع حتى الآن ضبط هذه الاهتزازات العرقية والدينية وعدم انفلاتها خارج الحدود الدولية، لكن تفجير هذا المركز عرقيا وطائفيا -بأي أداة كانت ولأي سبب كان- سيعني وبكل تأكيد تحويل الشرق الأوسط إلى خريطة جديدة تفوق في تعقيداتها الوضع بالعراق بعد 2003.

المصدر : فورين بوليسي