تعليقا على إقدام السلطات بالإمارات مؤخرا على اعتقال عدد من الناشطين بمجال الديمقراطية، قال أكاديمي بريطاني إن تلك الدولة الخليجية تعبِّر بذلك عن خشيتها من المطالب لمزيد من الحريات.

وفي مقال بمجلة فورين بوليسي الأميركية، كتب كريستوفر دافيدسون -المعيد بكلية سياسات الشرق الأوسط بجامعة دورهام في بريطانيا- يقول إنه لا ينبغي أن يشكل اعتقال ثلاثة من أنصار الديمقراطية بالإمارات مؤخرا مفاجأة.

وأضاف أن النظام الحاكم بالإمارات بإرساله قوات للمشاركة بالعمليات التي تقودها السعودية بالبحرين, وبدعمه الرئيس المصري حسني مبارك حتى أيامه الأخيرة, يكون بذلك قد عبَّر بشكل قوي عن تفضيله لاستمرار الوضع القائم والأمر الواقع, وعن خشيته من حريات عربية أكبر.

ومنذ ذلك الحين أخذت تلك البلاد، التي كانت بالسابق مجموعة من أنظمة ملكية تقليدية متحدة فدراليا على أساس قبلي, تحت قيادة الشيخ المحبوب زايد بن سلطان آل نهيان حتى وفاته عام 2004, تتحول إلى دولة بوليسية متطورة بقيادة نجلين رئيسيين للشيخ زايد من إمارة أبو ظبي الغنية بالنفط.

وعلى خلاف أبيهما الذي كان يستشير وجهاء القوم والتجار المشهورين من مختلف أنحاء الإمارة, يتولى الحكام الجدد شؤون البلاد بدون رقابة أو مساءلة من سكان البلاد الذين يزدادون تحضرا, والذين يخضعون للرصد والمراقبة في حركتهم واتصالاتهم.




يبدو التمييز بين الإمارات السبع أكثر وضوحا, فالشماليون الذين يشكلون نصف عدد سكان البلاد الأصليين, أصبحوا أكثر جرأة في التعبير عن رأيهم, وعبَّر المدونون عن صوتهم من خلال مواقع الإنترنت
ثراء وفقر
للوهلة الأولى, لا يعقل أن يمس الربيع العربي الإمارات العربية المتحدة, فهي دولة تصدر كميات هائلة من النفط, ويضاهي معدل دخل الفرد فيها نظيره في سويسرا, وتاريخيا كانت الحكومة تقوم بتوزيع الثروة, وتقديم الدعم, وتوفير فرص العمل لمواطنيها.

علاوة على ذلك, فإن 90% من سكان البلاد من المغتربين دون أن يتطلع أحد منهم لنيل الجنسية الإماراتية, ومعظمهم يحصل على وظيفة معفاة من الضرائب أو العمل في ظروف أفضل مما هو متيسر في بلدانهم الأصلية, وهذه الشريحة ليست لها مطالب سياسية كذلك.

لكن الصورة الحقيقية مختلفة قليلا على الأقل فيما يتعلق بمواطني الإمارات حيث معظم فرص العمل موجودة في أبو ظبي ودبي, بينما تُركت الإمارات الشمالية الخمس الأفقر وشأنها لتتدبر سوء حالها وفقرها.

وبرغم المنح الطارئة من حين لآخر من أبو ظبي ومن بينها واحدة حصلت الشهر الماضي, فإن الفجوة في الثراء تتسع سنة بعد أخرى بين تلك الإمارات, فالبطالة في تزايد مستمر وقطوعات الكهرباء تحدث بصورة منتظمة.

ويبدو التمييز بين الإمارات السبع أكثر وضوحا, فالشماليون الذين يشكلون نصف عدد سكان البلاد الأصليين, أصبحوا أكثر جرأة في التعبير عن رأيهم, وعبَّر المدونون عن صوتهم من خلال تويتر وفيسبوك وغيرهما من مواقع التواصل الاجتماعي عبر الإنترنت والتي يصعب مراقبتها.

لكن لا توجد معارضة منظمة بالإمارات, فالبعض فقير, والآخر من "الـبدون" وحُرِم الناس من الجنسية بالرغم من توالدهم لأجيال هناك, والبعض من الإمارات الأغنى جيدو التعليم ومن ذوي المراكز الجيدة ولكنهم يشعرون بالخوف من قبل حكومة تفتقر إلى الشفافية, وكذلك جراء قمع المجتمع المدني وبسبب النظام القضائي القديم للدولة.

وبات إجراء إصلاح سياسي مطلباً تنادي به كافة المجموعات, وأصبح افتقار الدولة بالكامل لمؤسسات ديمقراطية أكثر وضوحا في وقت انتشرت فيه الثورات والاحتجاجات لتعم أرجاء المنطقة حتى وصلت إلى الخليج العربي.

ونظرا لانتفاء الحاجة إلى برلمان, فقد ترك زايد هذه الهدية إلى أبنائه ليقدموها لشعب الإمارات, ولكن الحكم المطلق أثبت أنه شديد الإغراء, وكل ما فعلوه هو الالتفاف على مطالب شعب البلاد بإقامة برلمان وهمي عقيم هو المجلس الوطني الاتحادي.

فقد جرت انتخابات عام 2006 لملء نصف مقاعد المجلس الأربعيني, لكن حق التصويت اقتصر على بضعة آلاف من المواطنين فقط.

وفي مطلع عام 2011 حينما خرج آلاف المصريين والتونسيين والبحرينيين إلى الشوارع, أعلنت الإمارات أنها ستجري انتخابات جديدة, ولكن مرة أخرى لم يسمح بالتصويت إلا لعدد محدود من الناخبين.

كان منصور قد توقع بآخر كتاباته على تويتر أن يتم اعتقاله, والخشية من قيام الشرطة بزرع شيء ما في سيارته قبل أن ينادوه للنزول من المبنى
ناشطون حقوقيون
بالنسبة للناشطين, فقد كانت تلك هي القشة التي قصمت ظهر البعير. فقد كتبت عريضة خلال مارس/ آذار, وقع عليها 130 من كبار المفكرين بالإمارات, والناشطين السياسيين والمدافعين عن حقوق الإنسان.

وكانت مطالبهم تتلخص في برلمان منتخب بالكامل بمراقبة وموافقة عالمية، وهي أقل من الدعوة للثورة, مع كون الغالبية تشعر بالسعادة للعمل من أجل ملكية دستورية ملتزمة بالحفاظ على حقوق الإنسان والمبادئ الدولية الأساسية.

كان الاعتقال الأول من نصيب أحمد منصور، وهو مهندس اتصالات مقيم في دبي، وكان من بين من أسسوا موقع على الشبكة العنكبوتية باسمwww.uaehewar.net منذ نحو سنتين.

وقد تم حجب الموقع منذ نحو سنة من قبل محرك البحث بالدولة كونه يشكل أول منتدى للنقاش الحر بالإمارات، وبدون إعطاء الأسباب.

وتعرض أعضاؤه للمضايقة مرارا وتكرارا من قبل جهاز المخابرات منذئذ. وبهذا السياق قال أحمد منصور, إنه عُرض عليه مركز براتب جيد في باكستان من جانب جهة عمله الحكومية قبل أسبوع فقط، لكنه رفض مغادرة البلاد.

وفي يوم الجمعة 8 أبريل/ نيسان اقتاده نحو عشرة من الضباط, اثنان منهم فقط كانا يرتديان الزي الرسمي, من منزل أسرته مع جواز سفره وحاسوبه. وكان منصور قد توقع بآخر كتاباته على تويتر أن يتم اعتقاله, والخشية من قيام الشرطة بزرع شيء ما في سيارته قبل أن ينادوه للنزول من المبنى.

وقال بهذا السياق "لا يبدو أن لديهم مذكرة اعتقال ولكنهم يريدون اعتقالي, لكنني لن أخرج معهم, لأن ذلك يجب أن يتم وفقا للإجراءات الصحيحة".

أما المعتقل الثاني فهد سالم الشيهي فقد اقتيد من منزله بعجمان بينما كانت زوجته تواصل دراستها, وكانت كذلك مدونة بشكل نشط وشاركت في مناقشات منتدى الإمارات.

 أما الاعتقال الثالث وربما كان الأكثر رمزية, فقد حصل يوم الأحد 10 أبريل/ نيسان حينما تم اقتياد ناصر بن غيث من منزله في دبي, وهو شخصية اقتصادية مرموقة وكان أستاذا بالكلية العسكرية للإمارات ومحاضرا في حرم جامعة السوربون بأبو ظبي.

وكانت معظم مقالات بن غيث تركز على التنمية الاقتصادية للإمارات مع بعض الانتقادات الحذرة للعديد من المغامرات البائسة لدبي, ولكنه حول اهتمامه مؤخرا إلى الربيع العربي.




يبدو أن النظام بالإمارات يسير على خطى السعودية فيما يتعلق بالربيع العربي, حيث لا يُسمح بأي نوع من الاحتجاجات أو المعارضة حتى لو كان ثمن ذلك اعتقالات سياسية وتشويه سمعة البلاد على النطاق الدولي جراء تلك العملية
التداعيات والمآلات
ماذا سيجري للمعتقلين؟ هناك أمل بإطلاق سراحهم قريبا على ضوء وسائل الاتصال عبر الإنترنت التي عرفت الملايين باعتقالهم, ولكن حتى كتابة هذا المقال, لم يصدر تصريح رسمي من جانب الحكومة, في حين تخشى وسائل الإعلام والشخصيات البارزة المحلية من التعبير عن آرائهم.

ما هي التداعيات الدولية الواسعة للقمع واتخاذ الإجراءات الصارمة؟ يجب أن تطرح التساؤلات من جانب المؤسسات الدولية الرائدة التي توجد العديد منها بالدول الديمقراطية بخصوص التعاون الوثيق مع النظام الحالي مقابل تحويلات مالية سخية وغيرها من الفوائد والمزايا.

 وربما هناك سؤال أكبر يطرح نفسه, كون حكام الإمارات يستمدون قدرا كبيرا من شرعيتهم عبر الحلقات الخارجية على الصعيدين الدولي والإقليمي, وحيث المؤسسات الرائدة مثل جامعة نيويورك وحتى السوربون التي كان بن غيث ينضوي تحت لوائها باتت تتعامل مباشرة مع النخب الحاكمة وتقيم حرما جامعيا بأبو ظبي.

 كما أن متحفي"اللوفر" و"غوغنهيم" وغيرهما من المتاحف الرئيسية والمعارض الملتزمة بالمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان, تقيم معسكرات بالرغم من المقاطعة التي فرضت من قبل الفنانين بسبب ظروف عمل العمال بالإمارات.

فوق كل شيء, يبدو أن النظام بالإمارات يسير على خطى السعودية فيما يتعلق بالربيع العربي, حيث لا يُسمح بأي نوع من الاحتجاجات أو المعارضة حتى لو كان ثمن ذلك اعتقالات سياسية وتشويه سمعة البلاد على النطاق الدولي جراء تلك العملية.

 فالاعتقالات انتهاك للعديد من بنود الدستور بالإمارات خاصة المادة 26 وتحذير للمجتمع الوطني بأكمله بأنه ما من شخص فوق المساءلة والتوبيخ, وهذا التحرك لم يحسب بطريقة جيدة ويعتبر خطيرا ودلالة على ضعف القيادة لأنه تسبب في إغلاق ما تبقى من مجال للاتصالات والحوار الصادق بين النخبة الحاكمة والشعب.

ونتيجة لذلك فإن مستقبل الاستقرار السياسي للإمارات بات على المحك، وأقل ضمانا مما كان عليه قبل أسبوع مضى.

المصدر : فورين بوليسي