كتائب القذافي تقصف منطقة البريقة شرقي ليبيا (الجزيرة)

علق الكاتب الأميركي مدير الحالات الطارئة في منظمة هيومن رايتس ووتش بيتر بوكاريت على ترسانة العقيد معمر القذافي الهائلة من الأسلحة الفتاكة في مواجهة الثوار الليبيين في شرقي ليبيا, فكتب مقالة في مجلة فورين بوليسي الأميركية جاء فيه:

خلال اثنين وأربعين عاما من حكم القذافي, أصبح سلوك الرجل غريب الأطوار ومادة للتندر والأساطير, ولكن هناك شيئا وحيدا كان القذافي يدأب على فعله بشكل مستمر ويستحوذ على تفكيره وهو شراء ترسانة ضخمة من الأسلحة من كل من يعرض بيعها, ونتيجة لذلك أصبحت ليبيا أشبه بسوق ضخم تعرض فيه الأسلحة وبمثابة متحف يستهوي ويشبع فضول مفتشي الأسلحة, ومصدر هواجس لأولئك الذين ينتابهم القلق على سلامة المدنيين, ومع انهيار سيطرة القذافي في شرقي ليبيا, أصبحت كميات هائلة من الأسلحة والذخيرة ملكا لمن وصل إليها أولا.

وكنت أتجول في شرقي ليبيا خلال معظم الأسابيع الستة الماضية منذ اليوم الأول لانهيار النظام, محاولا تسجيل انتهاكات حقوق الإنسان في البلاد, وكانت منظمة هيومن رايتس ووتش تحقق في قتل المتظاهرين على نطاق واسع على يد قوات القذافي في فبراير/شباط, وكذلك عمليات اختفاء المئات مؤخرا داخل سجون مقاتلي القذافي في الجبهة, وبات المراسلون في شرقي ليبيا يتعرضون لمخاطر كبيرة, فقد شاهدت الارتياح والسرور في أيام الانتفاضة الأولى مع احتفال الليبيين بتنسمهم عبير الحرية الوليدة.

وكذلك شاهدت مشاعر اليأس والقنوط لديهم حينما باتت قوات القذافي على أبواب بنغازي مرة أخرى منذ أسابيع قليلة, وبات المستقبل لسكان شرقي ليبيا غير مضمون على ضوء افتقار الثوار الليبيين إلى التدريب والمهارة, وبالنسبة لهؤلاء الناس فلا يوجد حل وسط, إما انتصار الثورة, وإلا فسيواجهون القتل المؤكد إذا استعاد القذافي السيطرة على شرقي ليبيا.

كما أننا شاهدنا كميات كبيرة من الأسلحة والذخيرة, وهذه الترسانات من السلاح تشكل مصدر قلق لمنظمات حقوق الإنسان, لأنها يمكن أن تتسبب بدمار يلحق بالمدنيين في حالة وقوعها في اليد الخطأ, كما أن الأسلحة العسكرية الفتاكة يمكنها التسبب في خراب لهؤلاء المدنيين.

وفي عام 2003, انتشر مراقبو هيومن رايتس ووتش في مختلف أنحاء العراق من أجل إعلام السلطات الأميركية عن مخازن الأسلحة الكثيرة وغير الآمنة التي شاهدناها مبعثرة في مختلف أنحاء البلاد, وحثثناهم على تأمينها, ولكن القوات الأميركية والمتحالفة لم تتخذ الإجراء المناسب كونها كانت مشغولة بالتخلص من أسلحة الدمار الشامل, وشاهدنا واليأس يظللنا كيف تم نهب مخازن الأسلحة في أماكن مثل بعقوبة حيث كانت هناك الكلية العسكرية الثانية لصدام حسين وبها كميات هائلة من الذخيرة.

ودفع الجميع ثمن الفشل في تأمين تلك الأسلحة, وأصبحت بعقوبة عاصمة فنيي صنع القنابل حيث تم تحويل آلاف قذائف المدفعية شديدة الانفجار إلى متفجرات قوية تستهدف تجمعات المدنيين وكذلك قوات الأمن العراقية وقوات الاحتلال الغربية, وبعد ثماني سنوات من ذلك ما زال الثوار العراقيون يمتلكون مخزونا من الأسلحة.

الليبيون شعب ودود بشكل غير عادي, ولم يكترثوا بتحديقي في الشاحنات المعدة للمعركة على خط الجبهة والتقاط بعض الصور للأسلحة والذخيرة التي كان يحملها الثوار

شعب ودود
الليبيون شعب ودود بشكل غير عادي, ولم يكترثوا بتحديقي في الشاحنات المعدة للمعركة على خط الجبهة والتقاط بعض الصور للأسلحة والذخيرة التي كان يحملها الثوار, وحتى في القواعد العسكرية ومخازن الأسلحة التي تحت سيطرة الثوار, كانت كلمات قليلة أقدم بها نفسي كفيلة باستقبالنا استقبالا حارا والسماح لنا بالتجول في مرافقها ومنشآتها, هذا إن كان هناك في الأصل من يحرس تلك المنشآت.

وحينما توجهت إلى مخزن الأسلحة الرئيسي في بلدة العيدبية المتنازع عليها يوم 27 مارس/آذار, أي فور انسحاب قوات القذافي منها, وبينما كانت قوات الثوار تحتفل بانتصارها, تجولت وحيدا لساعات طويلة في القاعدة بأكملها ومستودعات الذخيرة الخمسة والثلاثين الممتلئة بالأسلحة.

وما شاهدناه كان أمرا يدعو للصدمة, فقد كانت مخازن أسلحة القذافي أكبر مما شاهدناه في العراق بعد سقوط صدام حسين, وبعض تلك الأسلحة مثل صواريخ أرض جو القادرة على إسقاط طائرة مدنية, وهي تتحرك بحرية في شرقي ليبيا مما يقض مضاجع المسؤولين الأمنيين في مختلف أنحاء العالم.

وبعد أن بدأت في نشر بعض الصور التي التقطتها, أخذت أتلقى مكالمات من المسؤولين الأميركيين والأوروبيين يطلبون مزيدا من التفاصيل عن ما شاهدت, وهذا أمر جدير بجعل المسؤولين الأميركيين والأوروبيين يشعرون بالقلق, فهناك قذائف صاروخية, صواريخ أرض جو, وقذائف مدفعية مشحونة بالمتفجرات التي يمكن وبسهولة تحويلها إلى سيارات مفخخة بالقنابل, وهناك كمية كبيرة من المنظمات في المنطقة ومن بينها المنضوية تحت تنظيم القاعدة وحركات الثوار التي تتشوق للحصول على مثل تلك الأسلحة.

ويعتبر الصاروخ سام 7 المضاد للطائرات من بين الأسلحة التي تقلق المسؤولين الأمنيين الغربيين بشكل كبير, وهو صاروخ سوفياتي مصمم لاقتفاء أثر مصدر الحرارة, ويمكن إطلاقه عن الكتف ومصمم لإسقاط الطائرات التي تحلق على علو منخفض بشكل خاص, وهو يتكون بشكل رئيسي من أنبوب أخضر طويل بداخله الصاروخ, ويتبع لمنظومة الأسلحة المضادة للطائرات، والتي يحملها شخص واحد.

ورغم أن تلك الأسلحة تعود إلى سنوات الستينيات فإنها ما زالت أسلحة فتاكة بشكل كبير خاصة ضد الطائرات المدنية التي لا تمتلك أنظمة دفاع, وقد أطلق صاروخا سام 7 من قبل نشطاء القاعدة على طائرات بوينغ 737 مستأجرة إسرائيلية أثناء هجوم وقع في ممباسا في كينيا عام 2002، وكادا يصيبانها.

وخلال الشهر والنصف الماضي شاهدنا مئات من صواريخ سام 7 تنتقل بحرية في شرقي ليبيا, ويحتاج هذا الصاروخ إلى آلية إطلاق وبطارية تبريد مرفقة بأنبوب الإطلاق, كما تمت مشاهدة العديد من أنابيب الإطلاق التي لم يتم تجميعها, ومع ذلك فهناك بعض صواريخ سام التي تم تجميعها.

وبينما يستأثر الصاروخ سام 7 بأكبر قدر من القلق في أوساط الخبراء الأمنيين الغربيين, فإن بقية ترسانة أسلحة القذافي لا يستهان بها، فقد وجدنا مجموعة عديدة من الصواريخ المضادة للدبابات بما فيها الصاروخ الموجه بالليزر "أي تي 14 سبريغان"، والمعروف في روسيا باسم "كورنيت" والذي قيل إن المسلحين في غزة أطلقوا واحدا منه على حافلة طلاب إسرائيلية في جنوب إسرائيل أسفر عن إصابة صبي بجراح خطيرة.

وكان هذا الصاروخ أكثر أسلحة حزب الله فعالية ضد الدبابات الإسرائيلية في حرب لبنان عام 2006, هذا فضلا عن عشرات الآلاف من الألغام المضادة للدبابات في ترسانة أسلحة القذافي, وهو لغم كريه لأنه من الصعب اكتشافه لأنه مصنوع من البلاستك ومزود بجهاز ضد رفعه مما يتسبب في انفجار اللغم حين محاولة إزالته.

شاهدنا آلافا من صواريخ غراد من عيار 122 ملم التي يمكن استخدامها عن طريق قاذف يطلق أربعين صاروخا مرة واحدة ويبلغ مداه التدميري أربعين ميلا

صواريخ غراد
كما شاهدنا آلافا من صواريخ غراد من عيار 122 ملم التي يمكن استخدامها عن طريق قاذف يطلق أربعين صاروخا مرة واحدة ويبلغ مداه التدميري أربعين ميلا, وكان غراد الصاروخ الأساسي لمجاهدي أفغانستان خلال حربهم المدمرة في تسعينيات القرن الماضي عقب انسحاب الاتحاد السوفياتي، واستخدموا تلك الصواريخ لتحويل كابل إلى ركام.

كما أن شرقي ليبيا موطن لعشرات الآلاف من القذائف الصاروخية التي لديها من القوة ما يكفي لتفجير دبابة أو فتح حفرة في المباني الخرسانية, كما شاهدنا عشرات الآلاف من قذائف المدفعية والدبابات وقذائف مدافع الهاوزر من مختلف العيارات، وكلها مزودة بمتفجرات شديدة ويمكن تحويلها بسهولة إلى سيارات مفخخة أو عبوات ناسفة جانبية على الطرق, وحتى أننا وجدنا قذائف مزودة برؤوس شديدة التفجير مشحونة بمتفجرات بلاستيكية, وهي وسيلة خطيرة بأيدي المنظمات الإرهابية.

ولم تقتصر الأخطار التي شاهدناها على مخازن الأسلحة غير المؤمنة أو المحروسة, فهناك كميات هائلة من الذخيرة المتروكة والأعتدة التي لم تنفجر في كل مكان على الجبهة التي تتغير باستمرار على طول الطريق السريع الساحلي في شرقي ليبيا.

كما أن الهجمات الجوية الأخيرة لقوات التحالف الدولي على الأهداف العسكرية الحكومية الليبية أضافت أنقاضا جديدة إلى ميدان المعركة وخلفت ذخائر مدمرة مثل المركبات والدبابات وقاذفات صواريخ غراد وقطع مدفعية، والتي كثيرا ما كانت مزودة بالشحنات المتفجرة, وغالبا ما كانت العائلات تزور المواقع التي تعرضت للقصف برفقة أطفالها متجاهلين المخاطر الكبيرة جراء ذلك.

كما أن قوات القذافي أضافت مخاطر أخرى تتمثل في زرعها حقول ألغام جديدة, وقد اكتشفنا اثنين من تلك الحقول تحتوي على العشرات من الألغام المضادة للدبابات وللأفراد في العيدبية بعد انسحاب القوات الموالية للنظام, ومن يدري إن كان هناك العديد من الألغام المزروعة التي لا يتم اكتشافها إلا حين يطأها شخص ما أو يقود مركبته فوق تلك المخاطر المدفونة.

وليست الأخبار كلها قاتمة, فجزء من الأنباء السارة هو بدء قيام قوات المعارضة باتخاذ خطوات أشد من أجل تأمين مرافق تخزين السلاح في المناطق التي تخضع لسيطرتهم, وبدأت في نشر فرق عسكرية لجمع الأسلحة الخطيرة المتروكة والتي لم تنفجر, والتقت منظمة هيومن رايتس ووتش بمسؤولين من المعارضة من المدنيين والعسكريين لأسابيع من أجل مناقشة الأخطار التي تشكلها بعض تلك الأسلحة, شأنها في ذلك شأن هواجس حقوق الإنسان الأخرى, وتملكنا شعور بالإعجاب بسبب رغبتهم بأخذ توصياتنا مأخذ الجد, وبالطبع فإن هناك الكثير بانتظار القيام به, ويبدو أن سلطات الثوار صادقة وملتزمة بنسيان الماضي ومتجهة نحو بناء دولة حديثة تحترم الحقوق المدنية، وسنستمر في مراقبتهم هم وسلوكهم عن كثب.

المصدر : فورين بوليسي