ثوار ليبيون قرب مدينة أجدابيا (رويترز-أرشيف) 

قال ريتشارد هاس في مقال نشرته صحيفة فايننشال تايمز إن من ينسون دروس التاريخ يواجهون احتمال تكرار أخطائهم، كما يتضح في الأزمة الليبية التي تسببت في أصوات تدعو للتدخل العسكري وأخرى تعارضه.

وقال هاس إن مؤيدي التدخل الإنساني بمن فيهم الرئيس الأميركي باراك أوباما، يقولون إن التدخل سيجنب تكرار مأساة رواندا عام 1994، بينما يستشهد المعارضون بالحظر الجوي على العراق أو يوغوسلافيا السابقة.

ولكن هاس يقول إن الوضع في ليبيا مختلف لأنه لا توجد جماعة أو قبيلة مهيمنة، كما أن تهديد القذافي بقمع معارضيه في بنغازي يبقى مجرد تهديد لأنه لا يعني بالضرورة أنه يستهدف كل امرأة وطفل في المدينة.

ويؤكد الكاتب أنه يمكن الاستناد إلى التجارب الأخيرة في العراق وأفغانستان، حيث فشلت محاولات إعادة تشكيل سياسة المجتمع عندما واجهت الواقع المحلي، كما كشفت صعوبة تحويل الانتصار العسكري السريع إلى نتائج دائمة، فكما نعلم لا يكفي الحظر الجوي لمراقبة ما يجري على الأرض.

وقال الكاتب إن ما بدأ حظرا جويا في ليبيا تحول فجأة إلى مشروع سياسي طموح، "لأن السؤال لم يعد يتعلق بصواب التدخل من عدمه ولكن بجدوى تدخلنا وما نعمله".

ولتفسير وجهة نظره، يقول هاس إن التنفيذ الحرفي لقرار مجلس الأمن رقم 1973 أمر غير ممكن، إذ ماذا لو التزم به القذافي وأوقف إطلاق النار، في حين تريد الولايات المتحدة منه مغادرة السلطة.

ويضيف هاس إن هذه الخيارات غير ممكنة الآن والوضع في ليبيا يواجه ثلاثة احتمالات. الاحتمال الأول يشير إلى استمرار القتال بدون حسم سريع، وهنا يلعب الحظر الجوي دورا في ترجيح كفة أحد الطرفين كما اتضح في استعادة الثوار المدن التي فقدوها مثل البريقة ورأس لانوف أمس الأحد، ولكن استمرار القتل يعني سقوط مزيد من الأرواح، وهذا يثير السخرية إذ كيف يؤدي التدخل الإنساني إلى قتل الأرواح التي يفترض التدخل لإنقاذها؟ لكن يمكن أن تنجح التدخلات الدبلوماسية في إنهاء الصراع، غير أن هذا يستغرق وقتا، وأثناءه سيتواصل دعم الثوار.

الاحتمال الثاني هو سقوط نظام القذافي، سواء بيد الثوار أو بانفجاره من الداخل، لكن دروس التاريخ تشير دائما إلى انشطار المعارضة في هذه الحالة بعد زوال الهدف الذي كان يوحدها. وفي هذه الحالة يتم إرسال قوة حفظ سلام دولية، لكن مثل هذه الخطوة غير ممكنة بسبب القرار 1973، كما أنه من غير الواضح معرفة من سيقدم الجنود أو يتحمل التكاليف، كما أن هناك شكوكا من أن تتمكن المعارضة من تشكيل حركة وطنية موحدة تسهر على مصالح الشعب الليبي، خاصة وأننا لا نعرف هذا الشعب جيدا، لذلك من المنطقي أن نتوقع إقصاء بعض الثوار وظهور حكم إسلامي متشدد في البلاد أو في جزء منها.

أما الاحتمال الثالث فيقول هاس إنه يتعلق بمحاولة النظام الليبي إيجاد طريقة للاستمرار ودحر خصومه، وعلى المدى القصير يمكن للمجتمع الدولي أن يتفاوض في هذه الحالة، أما على المدى الطويل فيسعى لإسقاط النظام سواء بطرق خفية أو باستخدام العقوبات أو بتغيير سلوكه بإجراءات اقتصادية وغيرها، حيث نجحت هذه الطريقة في إقناع القذافي بالتخلي عن برنامج أسلحة الدمار الشامل الذي كان لديه.

ويختم هاس بتأكيد وجود عوامل كثيرة قد تساعد على توقع آلية عمل التدخل في ليبيا، لكنه يوضح أنه لا أحد يعرف ما سيأتي لاحقا، ويقول إن التاريخ أثبت أن النجاح لا يتحقق دائما، وفي الحالات التي أثبتت نجاحها كان الجهد والصبر والانتظار وراء تلك الإنجازات.

المصدر : فايننشال تايمز