هواجس أميركية من عودة الخلافات والمصالح المناطقية بين اليمنيين (الفرنسية) 

في وقت متأخر من ليلة الخميس، ووسط شائعات عن استقالته بعد 33 عاما بالحكم، ظهر الرئيس اليمني علي عبد الله صالح على شاشة التلفزيون الحكومي بصورة تملؤها التحدي معلنا عن عفو عام بحق العسكريين الذين انضموا للمعارضة.

كانت ملاحظاته المقتضبة هي آخر فعاليات أسبوع من الدراما السياسية الذي قتل خلاله العديد من المتظاهرين بالعاصمة صنعاء، وشهد تمرد قيادات عسكرية رفيعة المستوى.

بدأت المظاهرات بالغليان منذ 11 فبراير/ شباط الماضي عندما تنحى الرئيس المصري السابق حسني مبارك عن السلطة. المظاهرات التي بدأت على نطاق ضيق، توسعت اليوم لتتخذ طابعا جماهيريا متوحدا –ولو مؤقتا- حيث التفت مختلف ألوان الطيف السياسي المعار حول مطلب واحد هو ترك صالح للسلطة.

وحدة وطنية
رجال القبائل خرجوا مع الطلاب. الانفصاليون الجنوبيون رددوا صدى شعارات متمردي الشمال. حتى القبائل المتناحرة وضعت خلافاتها وحسابات الدم التي بين بعضها البعض جانبا مصطفة مع الصالح العام.

لقد استطاع صالح البقاء في البيئة السياسية المتقلبة والصعبة المراس، عن طريق استخدام سياسة فرق تسد بذكاء. حاول هذه المرة فعل الشيء نفسه فقدم تنازلات سياسية وأموالا طائلة وسيارات جديدة للحلفاء والأنصار بالإضافة إلى قمع عنيف للمظاهرات. لكنه الأسبوع الماضي تجاوز الخطوط الحمر.

بعيد صلاة الجمعة الماضية، قام قناصة بفتح النار على المتظاهرين بما يسمى "ساحة التغيير" وقتلوا خمسين وجرحوا المئات. سفك الدماء ذاك تسبب في انقلاب عدد من الدبلوماسيين والعسكريين على صالح، من ضمنهم آمر الفرقة المدرعة الأولى اللواء علي محسن الأحمر. فقد ظهر الأخير على شاشة الجزيرة الاثنين الماضي وأعلن أنه يساند المظاهرات التي تنادي بسقوط صالح وأن قواته ستحمي المتظاهرين.

تبدل في الولاءات

إعلان الأحمر تأييده ودعمه للمعارضة أوجد شرخا بالجيش اليمني (الجزيرة) 
وأشار الأحمر الذي يعد من أقوى الشخصيات العسكرية باليمن والذي ينتمي لنفس قبيلة صالح، في بيانه المختصر، إلى مرحلة جديدة في ثورة اليمن. الأحمر وخدمته الطويلة في حماية مصالح الرئيس بالجيش أوجد انقساما في الجيش اليمني، ويعتبر بيانه بأنه إجراء وقائي لحسابه الخاص.

الولايات المتحدة والمملكة السعودية تضغط بهدوء للتوصل إلى اتفاق عن طريق التفاوض، على أمل تجنب المزيد من إراقة الدماء، وصالح والأحمر التقيا هذا الأسبوع. لكن الخشية هي إذا فشل الرفيقان القديمان في إيجاد حل عملي، عندها فإن الانتقال إلى يمن ما بعد صالح سيكون عنيفا.

من المؤكد أنه بعد يوم من مغادرة صالح للحكم ستتلاشى نشوة النصر ومشاعر الوحدة الوطنية بسرعة، عندما يواجه المتظاهرون مسؤولياتهم في إعادة بناء بلدهم بعد سنوات من سوء الحكم والفقر. الحكومة المقبلة، أيا كان شكلها، سيكون عليها اتخاذ قرارات صعبة لن تحظى بتأييد شعبي. التحالفات التي آلف بينها مطلب تنحي صالح لن تصمد بوجه تداعيات رحيله. فعلى سبيل المثال، سيقول الجنوبيون إن الثورة هي الخطوة الأولى نحو استعادة دولتهم المستقلة.

اليمن والغرب
وستقوم واشنطن وحلفاؤها سيكون لديهم مجال ضيق جدا للمناورة ووضع اليمن على المسار الصحيح. لا يمكن للحكومة الأميركية بعد الآن أن تصر على التعامل مع اليمن فقط من زاوية مكافحة الإرهاب. رغم إصرار إدارة أوباما على أنها تسعى للحصول على مجموعة واسعة من الحلول لعدد كبير من مشاكل اليمن، فإن المساعدات العسكرية لمكافحة الإرهاب تمحو كل الإيجابيات.

الولايات المتحدة بحاجة إلى القيام بالمزيد لتعزيز التنمية في اليمن والمساعدة في خلق مزيد من فرص العمل وتوعية الناس وتعليم الشباب بهذا البلد، ومساعدة القرى الريفية التي عانت سنوات من مدارس فارغة وبلا كهرباء.

لتعتبره الولايات المتحدة أنه استثمار إستراتيجي لهزيمة الجيل الحالي من الإرهابيين ومنع تشكيل أجيال جديدة منهم بالمستقبل. ولنأخذ قصة إحدى القرى عبرة، فقد كانوا بحاجة ماسة ويائسة إلى تعليم أبنائهم لدرجة أنهم استعانوا برجال القاعدة ليعلموا أبناءهم، ولكن عندما قصفت القوات الأميركية القرية فرّ رجال القاعدة وتركوا كل شيء وراءهم. وعادت مدارس القرية خاوية.

قد تكون هذه هي فرصة الغرب الأخيرة في اليمن. إذا سقط صالح وفشل المجتمع الدولي هذه المرة، فسيكون تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية على أهبة الاستعداد للاستفادة من هذا الوضع.

لقد بدؤوا بالفعل، ويظهر ذلك في بياناتهم الأخيرة التي تثير موضوع فشل الحكم الملكي والجمهوري باليمن، وأنه حان الوقت ليعود اليمن إلى النهج الصحيح نهج الشريعة الإسلامية.





إذا لم يتم اتخاذ خطوات جدية لإنقاذ اليمن من ذلك المسار، فإن تلك الحجة سوف تكون أكثر جاذبية مما هي عليه اليوم في المستقبل القريب.

المصدر : نيويورك تايمز