طائرة أواكس تابعة للناتو (الأوروبية-أرشيف) 

قال سوماس ميلن في مقال كتبه بصحيفة الغارديان البريطانية إن الغرب لا يتخلى عن عادته المتأصلة في سلوكه، فمرة أخرى هاهي الولايات المتحدة وبريطانيا وباقي قوات حلف شمال الأطلسي تقصف دولة عربية بالطائرات وصواريخ كروز.

وهاهو ديفد كاميرون وباراك أوباما يصران على أن هذا ليس مثل العراق، ولن يكون هناك احتلال، بل هجوم هدفه حماية المدنيين فقط.

لكن ميلن يقول إن الحقيقة غير ذلك، فبعد ثماني سنوات من إطلاق حملة "الصدمة والترويع" لتدمير بغداد وبعد أقل من عقد من الزمان من غزو أفغانستان، هاهي القوى الغربية نفسها تهاجم بلدا مسلما آخر.

وقال إنه بدعم من دول الناتو الأخرى، وهي كلها شاركت تقريبا في احتلال العراق وأفغانستان، تتشبث الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا بورقة التوت العربية، لإعطاء بعض المصداقية الإقليمية لتدخلها في ليبيا.

وكما هو الحال في العراق وأفغانستان، يصر التحالف على الدوافع الإنسانية. وكما هو الحال في كل التدخلات السابقة، تبكي وسائل الإعلام على دماء سفكها الزعيم الشرير، ثم تأتي بسرعة فكرة تغيير النظام لتحل محل المهمة الأصلية.

وقال ميلن إن الدول الغربية ذاتها تعتبر أنه من الطبيعي أن تغزو بشكل روتيني بلدانا أخرى باسم حقوق الإنسان.

ويوضح ميلن أن الرأي العام الغربي ينقلب ضد الهجوم الراهن، فهو يلقى في الولايات المتحدة معارضة بنسبة اثنين إلى واحد، وفي بريطانيا يقول 43% إنهم ضده، وهو مستوى غير مسبوق من الاستياء في الأيام الأولى من الحملات العسكرية البريطانية بما في ذلك العراق.

وقال الكاتب إنه على أرض الواقع فشلت الهجمات الغربية في وقف القتال، أو إرغام قوات القذافي على الخضوع، وغرقت حكومات الناتو في خلافات حول تحديد مسؤولية القيادة، كما أن الوزراء البريطانيين وجنرالات الجيش اختلفوا حول كون الزعيم الليبي هدفا مشروعا أم لا.



وفي الأسبوع الماضي، ادعت حكومات الناتو وجود دعم من المجتمع الدولي لقرار الأمم المتحدة وصدور نداء من الجامعة العربية. لكن الواقع غير ذلك، فالهند وروسيا والصين والبرازيل وألمانيا رفضوا دعم التصويت والآن هم ينتقدون القصف كما فعل الاتحاد الأفريقي والجامعة العربية نفسها، التي قال أمينها العام عمرو موسى إن القصف تجاوز صلاحية فرض منطقة حظر الطيران إلى مهاجمة قوات القذافي. وتدخلت حكومات حلف شمال الأطلسي بشكل واضح في حرب أهلية، بترجيح ميزان القوى لصالح معارضي القذافي.

وقال ميلن إن رئيس الوزراء البريطاني ديفد كاميرون أصر يوم الاثنين الماضي في مجلس العموم على أن الهجمات الجوية والبحرية في ليبيا منعت "مجزرة دموية في بنغازي"، وكان دليله الرئيس والوحيد هو تهديد القذافي بأنه سيعاقب المعارضين المسلحين "بلا رحمة" وتعقبهم "من منزل إلى منزل"، وفي الواقع، كانت "وحشية" الزعيم الليبي شبيهة بمثيلتها لدى صدام حسين التي كانت تتمثل في التصريحات فقط، ونادرا ما وجد نفسه في وضع يمكنه من تنفيذ تهديداته.

ولكن على الجانب الآخر من العالم العربي، في البحرين تلاحق قوات الأمن نشطاء المعارضة لاعتقالهم.

وفي اليمن قتلت القوات الحكومية اليمنية المدعومة من الغرب يوم الجمعة الماضي، أكثر من 50 قتيلا من المتظاهرين السلميين في شوارع صنعاء.

وقال ميلن إنه بدلا من فرض منطقة حظر طيران لإرغام النظام اليمني على الخضوع، تعمل القوات الأميركية الخاصة في جميع أنحاء البلاد لدعم الحكومة. ولا ننسى أن الولايات المتحدة وبريطانيا وغيرها من قوات حلف شمال الأطلسي هي نفسها المسؤولة عن مئات الآلاف من القتلى في العراق وأفغانستان.

وفي الأسبوع الماضي قتل أكثر من 40 مدنيا في هجوم طائرة أميركية بدون طيار في باكستان، في حين قُتل أكثر من 60 شخصا الشهر الماضي بغارة جوية أميركية في أفغانستان.

ويؤكد ميلن أن التدخل الغربي في ليبيا هو نفاق صارخ. فهو يثبت أن هذه المعايير المزدوجة جزء لا يتجزأ من آلية القوة العالمية والهيمنة التي تخنق الأمل في أي نظام دولي موثوق به لحماية حقوق الإنسان.



ويوضح ميلن أن التدخل الإنساني الانتقائي، كما هو الحال في ليبيا، ليس بالتأكيد على أساس الجدوى أو بسبب المعاناة والقمع، بل على أساس كون النظام المستهدف حليفا موثوقا به أم لا. وهذا ما ينسف الزعم القائل بأن الطغاة العرب سيكونون أقل حرصا على الاقتداء بالقذافي في أساليب القمع خوفا من التدخل الغربي.

وقال ميلن إن قيادة معارضي القذافي يجب أن تكون ممتنة للغرب بالحصول على الدعم العسكري. ولكن أي حركة معارضة عربية تأتي إلى السلطة محمولة على أجنحة طائرات التورنادو وصواريخ توماهوك يجب أن تدرك أنها أمام خطر قاتل، فاستقلال البلد نفسه سيكون مهددا.

وبالنسبة للقوى الغربية، التي وقفت على هامش المد الثوري العربي، جاء التدخل في النزاع الليبي ليقدم لها فرصة وضع نفسها على "الجانب الصحيح من التاريخ"، وتأمين مصالحها النفطية في بيئة غير مستقرة.

ويؤكد ميلن أنه إذا لم يتم اغتيال القذافي أو انهيار نظامه من الداخل، فنحن أمام احتمال مأزق دموي وتكوين محمية على غرار كردستان العراق في شرق البلاد تحت حماية حلف شمال الأطلسي. فهناك القليل من التعاطف مع القذافي في العالم العربي، لكن شخصيات مؤثرة مثل زعيم حزب الله اللبناني حسن نصر الله نددت بالتدخل الغربي وعودة "أيام الاستعمار والاحتلال والتقسيم".

ويختم ميلن بقوله إن البديل المطروح حاليا بالنسبة لبلدان مثل مصر وتركيا، التي لها مصلحة مشروعة في ما يدور بليبيا وصلاتها بجميع الأطراف، هو أخذ زمام المبادرة والسعي لوقف إطلاق النار، ووضع حد للتدخل الخارجي والتفاوض للوصول إلى تسوية سياسية، فليس هناك شيء أخلاقي حول تدخل حلف شمال الأطلسي في ليبيا بل هو تهديد للمنطقة بأسرها وجميع شعوبها.

المصدر : غارديان