مظاهرة مؤيدة للعقيد الليبي معمر القذافي وسط العاصمة طرابلس (الأوروبية)

واصلت الصحف الإسبانية اهتمامها بالمشهد العربي، مركزة على ليبيا من بين تجارب الانتقال في العالم العربي، وقارنت ذلك مع تجربة إسبانيا في الانتقال من ديكتاتورية الجنرال فرانكو إلى نظام ديمقراطي
.

ففي مقاله بصحيفة (الباييس) يرى خوان أنطونيو بارنويبو أن عملية التحالف ضد النظام الليبي لا تجد تفسيرها فحسب في الأسباب الأخلاقية المتمثلة في مسؤولية حماية المدنيين، بل إن رد فعل المجتمع الدولي يجب فهمه في سياق أوسع.

وأضاف بارنويبو -وهو كاتب دولة للشؤون الخارجية والإيبروأميركية- أن الثورات العربية تمضي بأساليب مختلفة وبسرعات متبانية، لكنها في مجملها، ومن منظور تاريخي، "تكذب الكثير من الأحكام الجاهزة" التي ظل الغرب يعتمد عليها بشأن جيرانه العرب.

وما يحصل في أجزاء عديدة من العالم العربي يذكر، حسب الكاتب، بما حصل في أوروبا الوسطى والشرقية منذ أربعة عقود، حين تساقطت الأنظمة المدعومة من موسكو وتفكك الاتحاد السوفياتي في النهاية في ظاهرة وضعت في سياق موجة ديمقراطية مست اليونان والبرتغال وإسبانيا وبلدان من أميركا اللاتينية وآسيا.

أنطونيو بارنويبو:
النهضة العربية في صالح الشراكة بين المتوسط وأوروبا وأيضا لصالح السلام في الشرق الأوسط
ويرى الدبلوماسي الإسباني أن الاعتقاد ظل سائدا في الغرب بأن المجتمعات الإسلامية عموما مرادفة للجمود، وأن مطامح التغيير فيها إن حصلت تتجه نحو الماضي لا إلى المستقبل وأنه لا توجد فيها بدائل عن القومية الديكتاتورية أو الأصولية المتطرفة
.

لكن كل هذه الأحكام أصبحت أمرا بائدا خلال أسابيع فقط، وكانت إشارة الانتحار التراجيدي للشاب التونسي محمد البوعزيزي كافية لتفجير الثورات الديمقراطية ذات الدوافع السياسية والأخلاقية.

لحظات عصيبة
ويرى بارنويبو أن على أوروبا مجاراة مسار التغييرات، دون أن تصل إلى درجة التدخل غير المرحب به، متوقعا أن تكون "النهضة العربية" في صالح الشراكة بين المتوسط وأوروبا وأيضا لصالح السلام في الشرق الأوسط.

ومن وحي تجربة الانتقال في إسبانيا من الديكتاتورية إلى الديمقراطية، رأى بارنويبو أن الإسبان يعلمون أن المراحل الانتقالية لحظات عصيبة في حياة الشعوب.

وكتب في هذا الإطار "من عاشوا من جيلنا أول آلام مخاض الانتقال يتذكرون الأصوات الآتية من الداخل والخارج التي كانت تكرر على مسامعنا أن الأسبان يفتقرون إلى الخصائص والتقاليد اللازمة للعيش بسلام وديمقراطية".

لكن الكاتب يرى أنه بعد 30 عاما من ذلك الانتقال يواصل الإسبان إظهار أنه من الممكن تجاوز كل محاولة لفرض الحتميات التاريخية على الشعوب، ويقول في هذا الصدد إن ذلك "أفضل مثال يمكن أن نقدمه لليبيين ولكل الشعوب العربية".

وبشأن الضربات التي يشنها التحالف على النظام الليبي حذر ألفونسو ميرلوس في مقاله بصحيفة (لاراثون) من الخلاف على قيادة العمليات وعلى أهداف واضحة ومحددة لها.

ميرلوس: أوباما خائف أن "تنكسر الجرة" وحصول نتائج غير متوقعة بليبيا (رويترز)
انكسار الجرة
ورأى أن الخلاف بين التحالف على قيادة العمليات العسكرية عائد إلى القلق من المسؤوليات المترتبة على الضربات.

واعتبر الكاتب أن "هروب" الرئيس الأميركي باراك أوباما، -كمن يخاف العدوى-، من قيادة العمليات الحربية، يعود إلى خشيته من أن "تنكسر الجرة" وتحصل نتائج غير متوقعة، خصوصا أن لديه معضلتي العراق وأفغانستان.

ونبه إلى أن الحرب لا يمكن أن تكون عملا عاطفيا، بل إن هدفا سياسيا يسيطر عليها وتحدد قيمة الهدف حجم التضحيات الضرورية للوصول إليه.

ولفت ميرلوس إلى الصعوبة التي يواجهها التحالف في تحديد طبيعة مهمته في غياب إجماع وصرامة وشفافية في رسم أهدافه، محذرا من أن عدم التحديد هو "أقصر الطرق إلى الكارثة"، وفق قوله.

داريو بالكارثيل:
في ليبيا لا يوجد شيء من هيئات المجتمع اللهم إلا ديكتاتورا لا يتمتع بمنصب واضح
الواجب والمصلحة
من جانبه حذر داريو بالكارثيل في مقال بصحيفة (إيه بي سي) من التهاون بتهديد القذافي باللجوء إلى الإرهاب مستشهدا بسوابقه في هذا المجال
.

ونبه الكاتب إلى أن الأوروبيين والأميركيين "تم جرهم" إلى العملية العسكرية مدفوعين بالواجب أكثر من المصالح، لكنه يرى لجوء العقيد الليبي معمر القذافي إلى الإرهاب عملا ضارا بالقذافي نفسه، فأي جهاز استخبارات أوروبي كلف بتصفيته يستطيع ذلك بكل سهولة.

ويرجع الكاتب نجاح الثورة التونسية إلى مقاومة هيئات المجتمع من منظمات وصحف ومدارس ومحامين ونقابات، قائلا إنه "في ليبيا لا يوجد شيء من ذلك اللهم إلا ديكتاتورا لا يتمتع بمنصب واضح".

لا حرب نظيفة
أما صحيفة (لابانغوارديا) فقد أجرت مقابلة مع رئيس الأركان الإسباني السابق الجنرال ألويس آليخاندري الذي لم يستبعد أن يكون هدف إزاحة القذافي عن السلطة "موجودا في أذهان الدبلوماسيين"، رغم أن قرار الأمم المتحدة بشأن ليبيا لا ينص على ذلك.

آليخاندري: لا يمكن للحرب أن تكون نظيفة مهما أردنا لها ومهما كانت النيات طيبة (الفرنسية)

ونبه آليخاندري إلى صعوبة تجنب سقوط مدنيين في عمليات التحالف، منبها إلى أن الحروب "لا يمكن أن تكون نظيفة، مهما أردنا لها ومهما كانت النيات طيبة"، إذ من الصعب معرفة الخط الفاصل بين المدنيين والعسكريين، متسائلا هل الثوار مدنيون تعسكروا أم عسكريون اكتسبوا صفة مدنيين؟

وقال آليخاندري إنه يجب أن تجرى محادثات في الأمم المتحدة حول مصير العمليات العسكرية بليبيا، معتبرا أن الأفضل، بعد موجة الضربات الأولى، أن يبدأ الحوار مع القذافي من أجل تهدئة النزاع "وإلا فلا نعلم كيف سينتهي الأمر".

المصدر : الجزيرة