كارثة اليابان النووية أيقظت في أهالي ثري مايل الذكريات المؤلمة ووضعتهم في حالة تأهب (رويترز)

قبل 32 سنة ضربت أسوأ كارثة نووية في التاريخ الأميركي جزيرة ثري مايل الأميركية. سكان الجزيرة يعرفون جيدا كيف يفرقون بين صفارات الإنذار الثلاث التي تنذر كل واحدة منها بمستوى معين من حالة التأهب.

 

لا يزال السكان يحتفظون بحبوب يوديد البوتاسيوم وسلطات الجزيرة تحتفظ بـ "غرفة عمليات الكوارث" المزودة بطرق الإجلاء السريع التي تحدث باستمرار لتوضح أي شارع يكون خاضعا لأعمال حفريات أو إصلاح.

 

دليل الهاتف المحلي لا يزال يصدر طرق وسبل الإجلاء السريع في حال حدوث كارثة نووية، خاصة وأن المفاعل على الجزيرة لا يزال يعمل ويزود ثمانمائة ألف منزل بالكهرباء ولكنه أيضا يبث القلق بين أهالي الجزيرة.

 

حدثت الكارثة في 28 مارس/آذار 1979. تقول لوحة معدنية على أحد شوارع الجزيرة تصف ما حدث عام 1979 بأنه "أحدث تغييرات في صناعة محطات توليد الطاقة النووية حول العالم".

 

أدّت كارثة عام 1979 إلى خلق حالة من الحذر الدائم بين سكان الجزيرة وأتت كارثة اليابان النووية الأخيرة لتضعهم في أشد حالات الحذر والتأهب وأعادت إلى ذاكرتهم ذكريات أليمة.

 

عمدة مدينة ميدلتاون الواقعة في الجزيرة والذي هو عمدة المدينة منذ ما قبل عام 1979 قال: "ما يحدث في اليابان أعاد إلينا الكثير من الذكريات. لكننا اليوم مهيؤون بشكل أكبر بكثير مما كان عليه الحال عام 1979".

 

رمز وقبلة
طوال الثلاثة عقود الماضية، كانت جزيرة ثري مايل ركيزة أساسية في النشاط المناوئ للطاقة النووية، وأصبحت قبلة للناشطين المشككين في فاعلية إجراءات السلامة التي يتخذها ويروجها الداعمون للطاقة النووية.

 

لا مفر من المقارنة بين ما حدث في جزيرة ثري مايل وما تتكشف عنه الحقائق في مفاعل فوكوشيما في اليابان الذي تعرض لزلازل مؤخرا.


بدأت الأزمة في جزيرة ثري مايل بتسرب البخار في الساعة الرابعة صباحا وتطور الأمر إلى انصهار جزئي، ولم تنته الأزمة إلا بعد أن تبخرت المياه تماما من مبنى الاحتواء في عام 1993.


لكن كارثة ثري مايل لم تتسبب في خسارة في الطاقة الكهربائية، لم يكن هناك أي زلزال أو تسونامي، كانت مشكلة ميكانيكية وخطأ بشريا.
الانفجار الوحيد كان داخل غرفة الاحتواء التي صمدت بوجه الانفجار. المياه التي ضخت لتبريد المفاعل بقيت داخل غرفة الاحتواء.


وفي الوقت الذي
أمرت النساء الحوامل والأطفال الصغار بأن يغادروا الجزيرة، كان قرار الرحيل للباقين أمرا طوعيا.


عملية التطهير 

أنصار الطاقة النووية يقللون من مخاطر وقوع حادث نووي شديد، بينما منتقدو الطاقة النووية بالغوا في العواقب المحتملة لمثل تلك الحوادث
جي صاموئيل ووكر
تجربة ثري مايل تعلمنا أيضا أن عملية تطهير اليابان من الإشعاع ستكون عملية ضخمة إلى درجة كبيرة.


يقول لوك باريت لوقا وهو مستشار نووي كان ضمن فريق الاستجابة للأزمات وجهود التطهير التي كلفت مليار دولار: "بالنسبة للسنة الأولى، لم يدخل أي شخص إلى مبنى الاحتواء" وذلك بسبب ارتفاع مستويات الإشعاع.


تم تطوير إنسان آلي للعمل داخل المفاعل. في وقت لاحق تم وضع هذه التكنولوجيا للعمل في مصانع السيارات وفي تنظيف الفضلات النووية. ساهمت اليابان بمبلغ 18 مليون دولار في هذا الجهد، وأرسلت عشرين مهندسا نوويا. وقبل عودتهم إلى وطنهم عام 1989، تبرعوا بمجموعة من أشجار الكرز رمزا للصداقة. ومن المتوقع لتلك الأشجار أن تطرح براعمها في وقت قريب من ذكرى الحادث في 28 مارس/آذار.


الثقة والحذر
رالف ديسانتس المتحدث باسم ثري مايل يقول إن المحطة النووية تجري اختبارات روتينية لخطط الطوارئ لديها. وقال في 12 أبريل/نيسان إن السلطات ستقوم بإجراء عملية واسعة النطاق لاختبار صفارات الإنذار وتفعيل مراكز الطوارئ.


مجموعة من المواطنين المحليين ما زالوا يشكلون شبكة من المراقبين لقياس مستوى الإشعاع، وهم على اتصال دائم مع العاملين في المحطة النووية، حسب منسق المجموعة أريك أبشتاين.


يقول أبشتاين وهو ينظر إلى المحطة النووية: "أتمنى لو لم تكن هنا. إنها رمز ذكرى مؤلمة لما حدث هنا. لكنها حقيقة واقعة. نحن نقدم مستوى إضافيا من الحماية".


مستويات الثقة لا تزال مرتفعة بين المواطنين على أي حال حيث تقول ماغي ويليامز صاحبة صالون تجميل "أنا لست خائفة من الجزيرة". وليامز التقت بزوجها عندما أتى إلى الجزيرة ليعمل فنيا في المحطة النووية وتعيش معه على مقربة من المحطة.

 

تقول ويليامز: "أعتقد أننا لم نكن لنعيش هنا لو كان الأمر خطيرا".


لكن تلك المشاعر الإيجابية يقابلها أيضا بعض التشكك من قبل سكان كانت لديهم تجارب مختلفة.

 

المؤرخ النرويجي جي صاموئيل ووكر قال إن الدراسات التي أجريت على 32 ألف شخص يعيشون ضمن دائرة قطرها خمسة أميال من المحطة أظهرت عدم وجود زيادة في السرطانات التي يمكن ربطها بالحادث النووي الذي حدث في جزيرة ثري مايل عام 1979. 

 

تضارب آراء
بوني بلوتشير، إحدى زبائن ويليامز قالت: "لدينا أصدقاء أصيبوا بمرض سرطان القولون رغم عدم وجود تاريخ لهذا المرض في سجلات عائلاتهم الطبية. كيف نعلم أن الدراسات بهذا الصدد دقيقة؟".


يعتقد ووكر بأنه خلال سبعينيات القرن العشرين، كان "أنصار الطاقة النووية يقللون من مخاطر وقوع حادث نووي شديد، بينما منتقدو الطاقة النووية بالغوا في العواقب المحتملة لمثل تلك الحوادث".


التطور في أداء وتصميم المفاعلات النووية و
القلق بشأن التغير المناخي قد زادا من التأييد للطاقة النووية (على أنها طاقة نظيفة) لكن ووكر حذر من التفاؤل والرضا المبالغ فيهما.


كتب ووكر يقول: "قبل وقوع الحادث، كان الخبراء النوويون على ثقة بأنهم حلوا أهم قضايا سلامة المفاعل، لكن تلك الثقة والرضا قد تبددت في صباح يوم 28 مارس 1979".
      

المصدر : واشنطن بوست