الثورة المصرية استمرت في التعبير عن نفسها بسبب الإرث الثقيل الذي تركه نظام مبارك (غيتي)

يقول بيل كيلر -في مقاله الذي نشرته صحيفة نيويورك تايمز- إن ميخائيل غورباتشوف آخر رئيس سوفياتي، وفريدريك دي كليرك آخر رئيس أبيض لجنوب أفريقيا، هما من أكبر الخاسرين في القرن العشرين، فالأول فقد حكم روسيا وسلطتها على جميع جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق، والثاني فقد الحكم في أغنى دولة في قارة أفريقيا.

من المفهوم أن قلوبنا ترف لطالبي الحرية، من ساحة تيانانمين في الصين إلى ساحة التحرير في القاهرة، ويشمل ذلك كل الشوارع التي تجيش بالمنادين بالحرية والديمقراطية، ولكنْ هناك نوع آخر من البطولة. نوع نادر، هو التنازل الطوعي عن السلطة.

لم يكن ما فعله كل من غورباتشوف ودي كليرك محمودا على طول الخط، بل إن الرجلين بالكاد يذكران في بلديهما هذه الأيام. ولكن تبقى حقيقة أن كليهما تخلى عن سلطة كانت قائمة على أقلية مسيئة، دون أن يعرض بلاده لحمام دم.

منافسة ديمقراطية

غورباتشوف (يسار) ودي كليرك أنهيا حكم الأقلية المتسلطة في بلديهما دون دماء (الأوروبية)
بعد ذلك، لم يفرا إلى الترف الذي يمكن أن توفره الحسابات السمينة في المصارف السويسرية. بل على العكس من ذلك، قاموا بما لا يمكن تخيله من قبل معظم الأنظمة الاستبدادية اليوم. فبعد أن استقرت الديمقراطية في بلديهما بقيا ليساهما في ترسيخ شرعيتها، والمنافسة على المناصب بشكل شريف.

دي كليرك -الذي عانى السود من ظلم بني جلدته لعدة قرون- نظم حملات انتخابية في مناطق السود بجنوب أفريقيا مناديا بالتضامن المدني الذي يبدو أنه يؤمن به من صميم قلبه.

الحرية منحدر زلق
ويقول الكاتب -الذي غطى ميدانيا سقوط غورباتشوف ودي كليرك- إن دي كليرك وغورباتشوف بدأ كل منهما مشواره مناديا بالإصلاح، أي إصلاح نظام قبيح وجعله أقل قبحا، لا إلغاؤه.

ربما بسبب الضغوط -التي ولدتها سنوات من المقاطعة الدولية وعقود من التمرد الداخلي- كان دي كليرك أسرع من غورباتشوف في إدراك أن مشروع إنقاذ حزبه الحاكم هو عملية لا يمكن القيام بها. لذلك قام بجر حزبه وبعض المتشددين البيض إلى اتفاقيات مع السود ومحاولة كتابة دستور جديد وإنهاء حكم البيض بشكل واضح. غورباتشوف -من جهة أخرى- كان يعتقد أنه يقوم بإنقاذ حزبه الحزب الشيوعي، واستمرت قناعته تلك إلى اليوم الذي حاول فيه حزبه الإطاحة به.

أما تلك الأنظمة المتناثرة على الساحل الجنوبي للبحر الأبيض المتوسط، فهي تحاول كبح واحتواء المد العارم عن طريق التعديلات الوزارية وإطلاق وعود ما يسمى الإصلاح، فإن ذلك قد يكسبهم بعض الوقت، ولكن للثورات طريقة معينة في تجاوز الإصلاحيين.

ويقول الكاتب إنه يتفهم محاولات الأنظمة -التي تثور عليها شعوبها- ترهيب الصحفيين وقيامها بقطع الإنترنت، وكذلك لي الحق في أن أقلق على سلامة صحفيينا المنتشرين في مصر والبحرين وغيرها.

دور الإعلام
دي كليرك أطلق سراح مانديلا من السجن وحاول بناء شراكة معه (الفرنسية)

وفي معرض إبراز دور الإعلام الحيوي في مسار الأحداث، يقول الكاتب إن الإعلام كان وسيلة مصيرية في إبراز مفاسد النظام السوفياتي، ومن ثم قومة الروس في ما يعرف بـ"ربيع موسكو" (تيمنا بربيع براغ عام 1968).

ويصنف الكاتب الوسائل الإعلامية التي كانت تؤثر في الناس في ذلك الوقت واليوم، ويقول كان في ذلك الوقت الراديو، مثل إذاعة صوت الحرب من راديو الحرية الموجهة إلى روسيا، لكن اليوم هناك قناة الجزيرة وويكيليكس.

أما فيسبوك وتويتر، فهما لم يعودا مجرد وسيلة لنقل المعلومات، بل أصبحا أداتين من أدوات التنظيم التي يستخدمها المحتجون.

وبالعودة إلى غورباتشوف ودي كليرك، يقول الكاتب إنه رغم أن المقارنة بين بلدين عادة ما تكون مضنية وغالبا غير موفقة، فإن هناك أوجه شبه طاغية على روسيا وجنوب أفريقيا في عهد ذيْنك الزعيمين.

غورباتشوف قام بإعادة آندريه شاكاروف (عالم نووي سوفياتي معارض، كان ينادي بالحريات المدنية، ونفي إلى مدينة غوركي عام 1980، وسمح له غورباتشوف بالعودة إلى موسكو عام 1986) ودي كليرك أخرج مانديلا من السجن. وكلاهما حاول إيجاد شراكة مع أعداء الأمس، لكن عدم الثقة حال دون الوصول إلى النتيجة المرجوة، ولكن على الأقل، فإن الأمور كانت تحت السيطرة ولم تقع الكارثة.

الجيوش أيضا بشر
نميل عادة للنظر إلى الجيوش على أنها أدوات. ولكنها تتكون من عناصر تريد إطعام أسرها، وحماية وظائفها، وتتطلع إلى المستقبل، وتنشد أن تعامل باحترام. ولكن إذا كان الزعيم يعامل جيشه بالتهديدات بالإعدام بعد محاكمة صورية، أو من خلال أخذ أفراد عائلاتهم رهائن -كما يفعل القذافي، طبقا للتقارير الإعلامية- فيمكننا أن نراهن على أن أيامه معدودة.

ويقول الكاتب إن أذكى الخطوات -التي قام بها دي كليرك لمنع حرب أهلية كان يخشى كثيرون وقوعها في جنوب أفريقيا- هي أنه أمن عن طريق المفاوضات استمرار أفراد الجيش الذي كان في عهد الفصل العنصري في وظائفهم. وكان من أكثر الخطوات ذكاء من ناحية نيلسون مانديلا هو أنه قبل بذلك، وكانت النتيجة هي أنه أصبح أول رئيس أسود لجنوب أفريقيا، وورث جيشا يعتبره الآمر والشخص الذي يؤمن لأفراده وظائفهم.



ويختم الكاتب مقاله بقوله إن روسيا وجنوب أفريقيا ليستا دولتين مثاليتين اليوم، فجنوب أفريقيا تعاني الفقر والبطالة والجريمة، وروسيا تعاني الفساد وعدم التسامح مع المعارضين، ولكنهما استطاعا أن ينميا الطبقة الوسطى فيهما.

وعلى أي حال، ففي حال ضاق الناس في البلدين ذرعا من حكامهم، فإنه متاح لهم وسيلة لتغييرهم غير النزول إلى الشارع: صندوق الانتخاب.

المصدر : نيويورك تايمز