البعض يرى أن تدخل الغرب واجب وآخرون يرون أن الحكمة تقتضي عدم التدخل (رويترز)

لا يحظى التدخل الغربي في ليبيا بموقف موحد، فبينما حذرت بعض الأصوات في الصحف البريطانية من وقوع مجزرة واعتبرت التدخل واجبا، فإن الأصوات المناوئة دعت إلى عدم التدخل حفاظا على مصالح الغرب ضمن ما وصفته بأنه ضرب من الحكمة والذكاء.

نداء الواجب
تحت عنوان "ليبيا.. لا يمكن للغرب ترك القذافي يبيد شعبه" دعت ذي أوبزيرفر في افتتاحيتها إلى التدخل قبل وقوع مذبحة شبيهة بمجزرة سربرنتشا في البوسنة والهرسك عام 1995.

ومضت تقول إن الانتفاضات الصعبة تطرح دائما أسئلة صعبة في ظل الكلفة البشرية أو ما يتعلق بأسعار النفط، غير أن الواجب يحتم تحليل كافة التحديات كل على حدة، ثم يليه واجب آخر هو تجنب لعب السياسات المحلية بالقضايا الدولية مثل القضية الليبية، مشيرة إلى أن الواجب يحتم عدم تسجيل نقاط على حساب حياة الآخرين.

ورأت الصحيفة أن ضعف العقيد معمر القذافي ربما يكون نقطة انطلاق للغرب، ولا سيما أنه لا يملك الخبرة الكافية أو العدد الكافي من الجنود أو العتاد اللازم لخوض قتال طويل الأمد.

وتعليقا على من يتمسك بذريعة تنظيم القاعدة عند التدخل الغربي، قالت ذي أوبزيرفر إن الشارع العربي من تونس إلى القاهرة وحتى البحرين، بات على قدر كاف من الوعي لدحض ذلك، مذكرة بأن هذه انتفاضة إقليمية لشباب ينشدون الحرية.

وتابعت أن الملايين الذين بدؤوا هذه الانتفاضات لن يشكروا الغرب الذي قد يدفن ربيع العرب في حقل من الوعود البراقة.

وفي الختام ترى الصحيفة أن الرد المناسب في الوقت الراهن هو الموقف المشترك الذي يتعهد بعدم السماح للاستبداد بالبقاء، وتشير إلى أن ليبيا جزء من مستقبل الحرية ويجب عدم دفنها في ماض مضطرب.

أندرو رونسلي:
هل سينتظر الغرب حتى يتمكن القذافي من مد فترة استبداده إلى العقد الخامس عبر ذبح من وقف في وجهه من أجل الحرية؟

الوقت ينفد
الكاتب أندرو رونسلي حذر من أن الوقت لمنع القذافي من قصف شعبه لإخضاعه ينفد، ودعا الغرب في مقاله بنفس الصحيفة إلى التدخل وعدم الخشية من عراق آخر.

وبعد أن تحدث عما وصفه بتلكؤ الغرب وانقسام أميركا إزاء ما يحدث في ليبيا، قال إن ثمة تساؤلات لا غنى عنها وهي: هل نحن على استعداد للسماح للقذافي بالنصر، وبمعنى آخر هل سينتظر الغرب حتى يتمكن القذافي من مد فترة استبداده إلى العقد الخامس عبر ذبح من وقف في وجهه من أجل الحرية؟

ومضى يقول إن شبح الحرب في العراق بات يعقد تأييد المقولة بأن المصالح الخاصة والقيم الأخلاقية تتطلب الرد عندما يتصرف دكتاتور على أعتابنا بوحشية ضد شعبه، وأشار إلى أن الغرب -خشية من عراق آخر- يجازف بتكرار خطأ مختلف سبق أن ارتكبه، وهو الرد الأوروبي "العاجز والمتباين" إزاء المجزرة في البلقان في تسعينيات القرن الماضي.

وعن التبعات المترتبة على تلكؤ الغرب وانتصار القذافي، قال الكاتب إن الضحية الأولى ستتمثل في الشعب الليبي الذي سيتعرض لانتقام القذافي.

كما أن ليبيا ستتحول إلى نظام منبوذ يحقد على جيرانه وباقي أرجاء العالم، ويحذر الكاتب من أن إلحاق الهزيمة بالحرية هناك سينعكس في شمال أفريقيا والشرق الأوسط بشكل عام، لا سيما وأن الحكام المستبدين سيتخذون من تلك التجربة درسا لهم عندما يواجهون ثورات من هذا القبيل: اقتلوا المعارضة بلا رحمة لأن المبشرين بالديمقراطية في الغرب لن يفعلوا شيئا.

دعم متأخر
من جانبه اعتبر نيك كوهين في مقاله بالصحيفة ذاتها أن الدعم الأوروبي للثوار العرب يأتي متأخرا بشكل مخز، وقال إن أوروبا لم تبد شيئا من السخاء الذي قدمته لدول الاتحاد السوفياتي السابق تجاه العالم العربي.

ويضيف أن الحكومات الأوروبية لم تمارس سياسة العصا والجزرة في الجزائر وليبيا والأردن والمغرب وسوريا وتونس، ويشير إلى أن الاتحاد الأوروبي لم يكن مستعدا لتشجيع إنهاء التعذيب وتعزيز الديمقراطية.

ويختم بأنه إذا كانت أوروبا معنية، فيجب عليها أن تعلم بأن الحرية ليست مقصورة على الأغنياء والبيض فقط.

أندرو سوليفان:
ليس هناك ما يضمن بأن الحظر الجوي سيوقف مجازر القذافي بل قد يساعده على استغلال ورقة مناهضة أميركا والإمبريالية
أصوات مناهضة
غير أن ثمة أصواتا تناهض فكرة التدخل منها ما يراه الكاتب أندرو سوليفان من أن ترك ليبيا تخوض حربا بنفسها قد يكون شيئا قاسيا ولكنه ضرب من الذكاء.

وتابع في مقاله بصحيفة صنداي تايمز أن بعض الشخصيات الكبار يدعون إلى تدخل عسكري في ليبيا، ولكن ذلك من شأنه أن يعرض المصالح الأميركية للخطر.

ويقول إن المعارضة في ليبيا مجرد تشكيل من القبائل تنبثق وحدته من الولاء المتبادل مع القذافي، كما "أننا لا نعلم بأن هذه المعارضة ستكون أفضل في الحكم ممن سبقها".

ويحمل التدخل العسكري والكلام للكاتب- تبعات غير مقصودة "أكثرها وضوحا عدم ضمان مصير الأسلحة التي يمكن أن تقدم للثوار".

وتعليقا على الحظر الجوي في ليبيا، يرى سوليفان أن المسعى ليس بالأمر المجدي، مستدلا على ذلك بمجزرة سربرنتشا رغم وجود منطقة حظر جوي في البوسنة.

فليس هناك ما يضمن بأن الحظر الجوي سيوقف مجازر القذافي، بل قد يساعده على استغلال ورقة مناهضة أميركا والإمبريالية، وفق الكاتب.

ودعا سوليفان في الختام إلى تحويل ثقل أميركا إلى ما وصفها بالتجربة الواعدة والأكثر أهمية في مصر عبر التركيز على جملة من الإجراءات مثل المشورة المدنية لبناء المؤسسات الديمقراطية والتعاون العسكري وغيرها.

حكمة
صنداي تايمز تبنت الموقف ذاته في تجنب ما وصفته بمغامرات القذافي، واعتبرت أن عدم المشاركة في الحظر الجوي ضرب من الحكمة، لا سيما وأن القادة العسكريين "منقسمون إزاء مدى جدواه".

وقالت الصحيفة إن ثمة سبلا أخري يمكن اللجوء إليها لتقويض نظام القذافي منها تجميد الأصول المالية وفرض العقوبات.

ولم يختلف ذلك كثيرا عما تحدث عنه الجنرال الأميركي المتقاعد ويسلي كلارك والقائد السابق لقوات حلف شمال الأطلسي (ناتو) بأوروبا في مقاله بصحيفة واشنطن بوست.

فبعد أن استعرض جملة من التدخلات الأميركية في مختلف مناطق النزاع في العالم على مدى عقود، خلص إلى عدم وجود القاعدة الأساسية التي يمكن الاستناد إليها للتدخل في ليبيا.

وقال أيضا إن التدخل يعني المساهمة مجددا في تغيير النظام في بلد إسلامي، مشيرا إلى أن المتطلبات الأساسية للإقدام على تدخل ناجح غير متوفرة، مثل الهدف الواضح، والسلطة القانونية، والدعم الدولي.

المصدر : الصحافة البريطانية,واشنطن بوست