التونسيون اعتصموا أمام مكتب الغنوشي مطالبين بإصلاحات جذرية لا شكلية (رويترز)

قال الكاتب جوناثان ستيل في مقال له في صحيفة الغارديان البريطانية، إنه بينما تسلط الأضواء على المذابح في ليبيا، لا يزال التوتر يتصاعد في تونس المجاورة، التي شهدت هذا العام سقوط أول الحكام المستبدين في العالم العربي.

استقال محمد الغنوشي، رئيس الوزراء من عهد نظام الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي يوم أمس، وجاءت استقالته بعد ثلاثة أيام من المظاهرات العارمة التي ذهب ضحيتها ثلاثة أشخاص.

كانت حكومة الغنوشي المؤقتة واقعة تحت ضغوط شديدة للتحرك بوتيرة أسرع نحو الإصلاح الديمقراطي، إلا أن رحيله ربما لا يضع حدا للاحتجاجات ما لم يحدث تغيير جذري في عمل مجلس الوزراء أو استقالته كله.

يقول الكاتب "صحيح أن حكومة الغنوشي أطلقت سراح السجناء السياسيين ومنحت عفوا عاما، لكن المتظاهرين يريدون ضمانات جوهرية لاحترام حقوق الإنسان ووضع دستور جديد".

في الأيام القليلة التي سبقت استقالة الغنوشي، احتل مئات من الشباب فناء المبنى الذي يضم مكتب الغنوشي في الأسبوع الماضي في اعتصام مفتوح ورفعوا لافتات كتب عليها "وزير منافق".

موقف أميركي مريب

"
إن التحدي الكبير هو كيفية الانتقال من دولة الحزب الواحد إلى الديمقراطية. هناك محاولة لإعادة اختراع الدكتاتورية مع وجوه جديدة، ولكن من الصعب حدوث ذلك لأن الناس يراقبون

 راشد الغنوشي
"

ويتطرق الكاتب إلى الموقف الأميركي ويقول إن نوابا أميركيين بارزين زاروا تونس بعد الثورة، وعقد ويليام برنز المسؤول الرفيع المستوى في وزارة الخارجية الأميركية جولة محادثات مع الغنوشي. النواب الذين زاروا تونس بالإضافة إلى برنز، حيوا الثورة التونسية، ولكن هناك شكوكا تحوم حول جدية الولايات المتحدة في دعم حراسة الثوار لمطالب الشعب والحرص على تنفيذها.

بعد هروب بن علي، قالت حكومة الغنوشي إنها تحتاج إلى شهرين لتنفيذ الإصلاحات، أي حتى 15 مارس. ومع اقتراب الموعد المنشود، ظهر مؤخرا نهجان رئيسيان، أحدهما يدعم تمديد فترة ولاية الحكومة الانتقالية حتى موعد الانتخابات الرئاسية في يوليو/تموز القادم، وهو نهج تدعمه النخبة السياسية القديمة ورجال الأعمال ومعظم وسائل الإعلام المطبوعة.

من جهة أخرى، يبدو أن فرنسا والولايات المتحدة تضغطان باتجاه تشكيل حزب وسط جديد يستوعب أعضاء قياديين في الحزب الحاكم القديم ويقدم مرشحا مقبولا للرئاسة.

وحدة وطنية
اليسار العلماني والإسلاميون يريدون تغييرا أعمق. فهم جنبا إلى جنب مع الاتحاد النقابي الرئيسي، يعطون مثلا رائعا للوحدة الوطنية وشكلوا مؤخرا المجلس الوطني للدفاع عن الثورة.

ويقول الكاتب إنه يعتقد أن التونسيين بعد التضحيات الجسام التي قدموها، مصممون على أن لا يغشهم أحد بعد ذلك، وأن لا يقبلوا بمجرد نسخة محسنة من نظام بن علي.

إنهم يريدون أن يتم تسليم السلطة في 15 مارس أو قبل ذلك، إلى فريق من التكنوقراط المستقلين. كما يريدون أيضا أن يعطى المجلس الوطني للدفاع عن الثورة صفة رسمية تمكنه من مراقبة الانتخابات المرتقبة.

ويحرص التونسيون على أن تكون الانتخابات القادمة حاضنة لولادة برلمان جديد يضع دستورا يكرس جميع الحريات الأساسية المدنية فضلا عن آليات لمنع ومعاقبة من يرتكب التعذيب في السجون ومراكز الشرطة.

مطلوب نظام برلماني
ويستشهد الكاتب بتعليق لرئيسة جمعية مناهضة التعذيب في تونس المحامية راضية النصراوي تقول فيه "بعد معاناة في ظل الديكتاتورية الرئاسية وفرض واقع حكم الحزب الواحد، فإن معظم اليساريين والإسلاميين يطالبون بالنظام البرلماني".

ويعتقد الكاتب أن هناك إجماعا واسع النطاق على أن الحزب الإسلامي القديم، حزب النهضة هو القوة السياسية الأقوى في تونس. يذكر أن حزب النهضة يمتلك رصيدا قويا في الشارع أقوى من ذاك الذي يمتلكه نظيره المصري في الشارع المصري، حيث عانى المئات من أعضائه السجن والتعذيب والنفي تحت حكم بن علي. صحيح أن الإخوان جماعة محظورة في مصر، إلا أن نفرا قليلا فقط من أعضائها تعرضوا للتنكيل الذي تعرض له نظراؤهم التونسيون.

زعيم حزب النهضة راشد الغنوشي (الذي لا يرتبط بعلاقة برئيس الوزراء المنصرف) عاد الشهر الماضي من المنفى في بريطانيا.

وينقل الكاتب عن راشد الغنوشي قوله بعد عودته من المنفى "إن التحدي الكبير هو كيفية الانتقال من دولة الحزب الواحد إلى الديمقراطية. هناك محاولة لإعادة اختراع الدكتاتورية مع وجوه جديدة، ولكن من الصعب حدوث ذلك لأن الناس يراقبون".

عرفان بدور الجزيرة

"
يرى التونسيون أن الدول الغربية كانت الداعم لسلسلة من الطغاة العرب ويذكرون كيف قادت تلك الدول مقاطعة لقطاع غزة بعد فوز حماس في انتخابات عام 2006
"
ويستمر الكاتب في سرد تعليقات الغنوشي -الفخور بثورة الشباب وإنجازاتهم- التي يقول فيها "ربع مليون خريج عاطل عن العمل- هذا هو لب هذه الثورة التي تدين بـ30% إلى 40% من نجاحها إلى الفيسبوك، والباقي لقناة الجزيرة".

وسائل الإعلام الحكومية والسياسيون العلمانيون يدقون باستمرار ناقوس الخطر من نية الإسلاميين تطبيق الشريعة، ولكن راشد الغنوشي ورفاقه يؤكدون أنهم يريدون حكومة ائتلافية ذات قاعدة عريضة تعكس كافة الحركات التي أطاحت بالديكتاتورية، ويقولون إن الجدل حول كون السياسات ينبغي أن تكون علمانية أو غير علمانية هو محاولة لتحويل الانتباه عن القضية الرئيسية، ألا وهي الديمقراطية.

ويتحدث الكاتب عن شعور التونسيين بالارتياح لأن المصريين تحركوا بسرعة بعدهم ولم تترك ثورة تونس وحيدة ليبدو كأن التونسيين يغردون خارج السرب.

الزعماء الغربيون يحبون أن يقنعوا أنفسهم بأنهم جلبوا الديمقراطية إلى دول من العالم النامي الأقل تطورا، ولكن في تونس تبدو الأمور مختلفة، حيث يرى التونسيون أن الدول الغربية كانت الداعم لسلسلة من الطغاة العرب ويذكرون كيف قادت تلك الدول مقاطعة لقطاع غزة بعد فوز حماس في انتخابات عام 2006.

مع ازدياد المؤشرات على أن حزب النهضة مهيأ للقيام بدور رئيسي إذا ما أقيمت انتخابات في تونس، فإن الحكومات الغربية تواجه اختبارا جديدا حول مدى احترامها للإسلام السياسي.

ويختتم الكاتب مقاله بالتساؤل: هل ستفشل الدول الغربية في الاختبار مرة أخرى؟

المصدر : غارديان