الانتفاضة الليبية خلت من الشعارات التي تعكس الانتماءات القبلية أو الدينية (غيتي)

نشرت صحيفة غارديان البريطانية مقالا للكاتب محمود الناكو -ليبي يعيش في المنفى في بريطانيا- يدحض فيه المخاوف التي أثيرت في الصحافة الغربية من اندلاع العنف بين أطياف المجتمع الليبي على أساس قبلي.

يقول الكاتب إن الثوار الليبيين الذين انتفضوا ضد ممارسات نظام القذافي الوحشية وغير الإنسانية ينحدرون من جميع قطاعات المجتمع الليبي. وقد حاول القذافي استمالة بعض الليبيين بوعدهم بأن يغدق العطاء لهم، حتى وصل الأمر إلى أنه نثر في إحدى المناسبات النقود على رؤوس المستمعين له.

إلا أن الشعب يسيطر على الجزء الأكبر من ليبيا اليوم، وكل ساعة ينضم إلى الثورة المزيد من القبائل وتعلن المزيد من الجماعات والزعماء المرتبطين بالقذافي البراءة منه.

قبضة القذافي

"
على الرغم من التضحيات الكبيرة التي تقدم كل يوم، يرفض الليبيون تماما أي تدخل أجنبي حتى لو كان من أجل الدفاع عنهم وحمايتهم
محمود الناكو
"
ورغم أن قبضة القذافي لا تزال ظاهرة في أجزاء من العاصمة طرابلس فإن الناس يدركون أنهم قد اجتازوا نقطة اللا عودة: إما الإطاحة به وإما الموت. إنهم يدركون أيضا أن خطب القذافي في الآونة الأخيرة وتكتيكاته اليائسة تظهر أنه ليس إلا دكتاتورا فقد السيطرة على زمام الأمور، وأن هذه الفرصة لا تأتي إلا مرة في العمر.

خلال الأسبوع الماضي، كان هناك دفق مستمر من القادة السابقين في نظام القذافي يعلنون انشقاقهم عليه والاصطفاف إلى جانب الشعب الليبي والثورة. وقد تحدث الكثير منهم عن اشمئزازهم من إصدار القذافي لأوامر بإطلاق النار وقتل المتظاهرين. وظهر عدد من الجنرالات أمام الكاميرات وهم يعلنون عدم موافقتهم على استخدام الطائرات المقاتلة ضد المدنيين العزل الذين يتظاهرون في الشوارع.

رفض التدخل الأجنبي
ويشدد الكاتب على رفض الليبيين لأي تدخل أجنبي قد يسلب ثورتهم براءتها وسمعتها ويقول: على الرغم من التضحيات الكبيرة التي تقدم كل يوم، يرفض الليبيون تماما أي تدخل أجنبي حتى لو كان من أجل الدفاع عنهم وحمايتهم.

وكان القذافي قد حذر منذ البداية أن الإطاحة به من شأنها أن تجعل ليبيا ساحة من الفوضى تشبه تلك التي في العراق وأفغانستان اليوم. ولكن الناس يصرون على أن هذه الثورة هي لهم فقط.

ليس هناك شك في أن هذا التصميم قد ولد من رحم التحول الجذري في موقف الشارع العربي بعد الثورات التونسية والمصرية. إلا أن هذه الروح القتالية هي نتاج محلي ليبي خالص، وتتغذى من صلب المجتمع الليبي وترفض أن يحركها الغرب أو يؤثر عليها.

إن الهدف من ثورة ليبيا ليس مجرد استعادتها كدولة تسودها الشفافية والديمقراطية والتعددية والحرية والعدالة، بل أيضا لاستعادة مكانتها بين دول العالم، وأن تستند علاقاتها مع الغرب على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة والتكافؤ، وليس كالطرق القديمة للعلاقات التي بنيت على الصفقات الفاسدة والخوف والاضطهاد.



كوادر ليبية مؤهلة
"
نأمل أن يتقبل الغرب ويحترم أي نتائج تتمخض عن إجراء أول انتخابات حرة ونزيهة في البلاد محمود الناكو
"
ويلفت الكاتب النظر إلى وجود كوادر ليبية مؤهلة لقيادة البلاد ويقول: منذ اكتشاف النفط في ليبيا، درس وعاش مئات الآلاف من الليبيين في بريطانيا وأوروبا والولايات المتحدة، وهؤلاء هم أناس متعلمون تعليما عاليا ويتوقون إلى علاقة مثمرة مع الغرب. ولا يخطئن أحد بالظن بأن مرحلة ما بعد القذافي لن تتطلب أن ترتبط ليبيا بعلاقة صحية مع الغرب حيث يحتاج الليبيون إلى الاستفادة من تقنياته ومهاراته وخبراته، في حين يحتاج الغرب إلى الاستفادة من ثرواتها الطبيعية والمعدنية الهائلة.

إلى ذلك الحين، سيستمر تحرير ليبيا شارعا شارعا وبلدة بلدة بلا هوادة. لقد بدأت بعض المدن والبلدات بالفعل بإعلان استقلالها عن نظام القذافي وبدأت بشكل جدي في مهمة إدارة شؤون حياتها اليومية. وقد تم بالفعل تشكيل لجان مجتمع محلي ومجالس للشيوخ في بنغازي ومصراتة والزاوية للمساعدة على استعادة الحياة الطبيعية وتحسبا لسقوط طرابلس والإزالة الكاملة للقذافي وحاشيته.

وبشأن السمعة السائدة في الغرب عن المجتمع الليبي بأنه مجتمع تسوده العصبية القبلية والدينية، فند الكاتب تلك المزاعم بالقول: إن المخاوف التي أبداها بعض المعلقين في الصحافة الدولية، من أن ليبيا سوف تقع في أيدي المتطرفين هي لا أساس لها من الصحة تماما. إن طبيعة المجتمع الليبي لا تسمح بذلك. ليس هناك شك في أن الإسلام كدين وثقافة وهوية يوجد بقوة في تراثنا وتقاليدنا، ولكن العنف والتطرف جاءنا من الأجانب.

والواقع أن القذافي هو الذي جلب جحافل من المرتزقة من بلدان أفريقية أخرى لتنفيذ أوامره التي رفضها كل من الشرطة والجيش الليبيين. في الحقيقة أن معظم الليبيين يطمحون إلى حكومة حسب النموذج التركي، حيث الأخلاق والقيم الإسلامية تثري الجهود المبذولة لتحقيق الديمقراطية والعدالة والحرية والتنمية.

يجب على الغرب أن يرحب بالتحول الذي يطرأ على هذه المنطقة والذي سيحولها إلى بيئة مفتوحة للديمقراطية، وينبغي ألا يقف الغرب عائقا بوجه تطلعات الشعب. نحن نأمل أيضا أن يتقبل الغرب ويحترم أي نتائج تتمخض عن إجراء أول انتخابات حرة ونزيهة في البلاد.

مناورة القذافي الأخيرة كانت اللعب بورقة القبلية. في خطابيه الأخيرين وعد مختلف القبائل بثروات وأراض مستخدما التكتيك القديم فرق تسد، مما أوقع العديد من المعلقين في خطأ الاعتقاد بأن ليبيا هي مجتمع قبلي.



ويختتم الكاتب مقاله بالتشديد على وطنية الثورة الليبية وتحررها من الانتماءات الضيقة ويقول إن المرء لا يحتاج إلى النظر أبعد من مشاهد الثورة وكيف يلتف الجميع حولها ولا يوجد أحد ينأى بنفسه عنها وعن الشباب الليبي الذين يقودون مسيرة الشعب نحو ليبيا حرة.

المصدر : غارديان