تستخدم الدول العربية المياه العالية التكلفة لسقي ملاعب الغولف والحدائق المنزلية (غيتي)

كتب جون فيدال لصحيفة الأوبزيرفر البريطانية يقول إن الفقر والقمع وعقودا من الظلم والبطالة الجماعية اعتبرت أسباب رئيسية لعدم الاستقرار السياسي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الأسابيع الأخيرة.

لكن ارتفاع أسعار المواد الغذائية كانت السبب الذي لم يسلط عليه الكثير من الأضواء في اضطرابات مصر وتونس والجزائر واليمن والأردن وإيران، في حين أنه سبب يرتبط مباشرة بنقص المياه إقليميا الذي أدى بالتالي إلى تذمر واسع نتيجة تسببه في ارتفاع أسعار المواد الغذائية.

ويبرز فيدال في مقاله حقيقة أن الدول العربية التي تمتد على رقعة شاسعة من ساحل المحيط الأطلسي إلى العراق، تضم أضخم احتياطيات العالم من النفط، وهذه الحقيقة طغت على حقيقة أخرى هي أن معظم أراضي تلك البلدان صحراء قاحلة.

الأنهار قليلة في العالم العربي، والطلب على المياه يزداد نتيجة النمو السكاني. المخزون من المياه الجوفية يتقلص باستمرار مما أدى إلى اعتماد معظم الدول العربية على استيراد الغذاء الذي تشهد أسعاره ارتفاعا على مستوى العالم.

تضاعف عدد السكان
ويورد فيدال عن البنك الدولي والأمم المتحدة أن المنطقة العربية تتوقع أن يتضاعف عدد سكانها إلى أكثر من 600 مليون نسمة خلال 40 عاما، وسيساهم التغير المناخي في رفع درجات الحرارة في تلك البلدان، الأمر الذي يعد سببا في مشاكل هيكلية وسياسية مستقبلية وعاملا في زعزعة الاستقرار السياسي.

وينصح الكاتب بضرورة تكاتف جهود البلدان العربية لتنسيق استخدام مواردها المتنوعة والحد من تبذير طاقاتها ومواردها المائية.

وزيرة الخارجية السويسرية ميشلين كالمي-رأي حذرت الأسبوع الماضي قائلة: "في المستقبل، سيكون المورد الجيوسياسي الرئيس في الشرق الأوسط هو المياه وليس النفط. إن الوضع ينذر بالخطر".

وكانت الوزيرة تتحدث ضمن فعاليات تقرير "السلام الأزرق" الذي يموله الاتحاد الأوروبي الذي يدرس الحالة المائية لسبعة بلدان شرق أوسطية من ضمنها: تركيا والعراق والأردن والأراضي الفلسطينية وإسرائيل.

نقص هيكلي

يعاني اليمن من نقص خطير في الموارد المائية ينذر بأزمات اجتماعية (غيتي) 
وقال التقرير إن خمسة من هذه البلدان السبعة يعانون بالفعل من نقص هيكلي رئيسي في المياه وإن مصادر المياه في المنطقة لم تستمر لفترة طويلة.

وأضاف التقرير: "إذا لم تحدث طفرة تكنولوجية أو يبرز اكتشاف خارق، فإن الشرق الأوسط لن يفلت من أزمة مياه خطيرة".

ويمضي الكاتب في ربط الانتفاضات التي تعم العالم العربي بنقص المياه قائلا إن حكام العالم العربي دأبوا على دعم أسعار المياه والمواد الأساسية لضمان سكوت شعوبهم على حكمهم الاستبدادي، ولكن عندما رفع الدعم أو خفض نتيجة ارتفاع أسعار المواد الغذائية عالميا، انتفض الناس.

ويستشهد الكاتب بتعليق للمحلل السياسي فيكين شيتيريان المتخصص في شؤون الشرق الأوسط الذي يقول: "في عامي 2009 و 2008 كانت تكلفة مستوردات الدول العربية من المواد الغذائية 30 مليار دولار، ثم تسبب ارتفاع الأسعار في موجات من أعمال الشغب وترك ملايين الناس عاطلين عن العمل".

النفط مقابل الغذاء
مفارقة الاقتصادات العربية هي أنها تعتمد على أسعار النفط، في حين أن زيادة أسعار الطاقة يعني أن طعام الدول العربية سيصبح أكثر تكلفة.

اليمن يعتبر أكثر البلدان العربية فقرا حيث حصة الفرد المائية أقل من 200 متر مكعب في السنة، وحسب المقاييس العالمية يعتبر حد الفقر المائي هو ألف متر مكعب من المياه سنويا.

الممثل المقيم لبرنامج الأمم المتحدة الغذائي في اليمن يقول: "هناك صلة واضحة بين ارتفاع أسعار المواد الغذائية والاضطرابات (في المنطقة). الجفاف والسكان وندرة المياه هي عوامل ضاغطة. استنزاف الموارد الطبيعية والأراضي آخذ في الازدياد.

وأضاف: "إذا نظرنا إلى مسح الأسلحة الخفيفة (في اليمن)، فهو ليس أكثر من محاولة لتوثيق ما يسمى العنف الاجتماعي نتيجة التنافس على المياه والأراضي. العنف الاجتماعي آخذ في الازدياد والوفيات والإصابات ذات الصلة حصيلتها عالية".

صراع مع إسرائيل
الدول العربية الأخرى –طبقا للبنك الدولي- ليست بأفضل حالا. الأردن، الذي يتوقع أن يتضاعف فيه الطلب على المياه في السنوات العشرين المقبلة، يواجه نقصا هائلا في المياه بسبب النمو السكاني والنزاع على المياه منذ فترة طويلة مع إسرائيل. نصيب الفرد من إمدادات المياه سوف ينخفض من 200 متر مكعب إلى 91 مترا مكعبا في غضون 30 عاما، علما بأن فلسطين وإسرائيل تتنازعان بشدة حول الموارد المائية الضئيلة أصلا.

"
منسوب المياه في البحر الميت انخفض بحوالي مائة وخمسين قدما عن ما كان عليه في ستينيات القرن الماضي. الأهوار في العراق تقلصت بنسبة 90% وبحر الجليل (بحيرة طبرية) تعاني من خطر الملوحة

 تقرير السلام الأزرق
"

الجزائر وتونس ودولة الإمارات العربية المتحدة والمغرب والعراق وإيران كلها في حالة "عجز مائي"، حيث تستخدم كمية مياه أكبر بكثير من ما يسقط فيها من أمطار أو ذوبان للثلوج.

تركيا هي الوحيدة التي لديها فائض مائي كبير، ولكنها غير مستعدة لأن تتشارك فيه مع الآخرين. إمارة أبوظبي دليل حي –يقول الكاتب- على تبذير الموارد المائية وتقول إن احتياطها من المياه الجوفية سينضب خلال أربعة عقود.

ليبيا أنفقت 20 مليار دولار على استخراج المياه من جوف الصحراء ولكن لا يعرف كم من الوقت ستستمر المياه الجوفية الصحراوية في الجريان.

في السعودية ازداد الطلب على المياه بنسبة 500% خلال 25 عاما، ويتوقع أن يتضاعف مرة أخرى في العشرين سنة القادمة كما يتوقع أن يزداد الطلب على الطاقة الكهربائية بنسبة 10% سنويا.

تقلص المسطحات المائية
تقرير السلام الأزرق، يسلط الضوء على الانخفاض السريع في العديد من مصادر المياه في المنطقة الرئيسية. منسوب المياه في البحر الميت انخفض بحوالي مائة وخمسين قدما عن ما كان عليه في ستينيات القرن الماضي. الأهوار في العراق تقلصت بنسبة 90% وبحر الجليل (بحيرة طبرية) تعاني من خطر الملوحة.

وفي الوقت نفسه تقول الأمم المتحدة إن الأراضي الزراعية أصبحت غير صالحة للاستعمال ومشاريع الري والزراعة المكثفة تؤدي إلى تشبع التربة بالمياه ونقص ملوحتها.

بعض البلدان العربية الغنية بالنفط بدأت في وقت متأخر معالجة هذه المشكلة. بعد استنزاف المياه الجوفية لزراعة محاصيل غير ذات جدوى لسنوات عديدة والتحول لتحلية مياه البحر.

محطات تحلية
أكثر من ألف وخمسمائة محطة لتحلية المياه على سواحل الخليج العربي والبحر الأبيض المتوسط توفر جزءا كبيرا من احتياجات شمال أفريقيا والشرق الأوسط من مياه الشرب تمثل ثلثي المياه المحلاة في العالم.

مؤخرا بدأت بعض البلدان التي تستخدم تحلية مياه البحر تدرك الجوانب السلبية لتلك الطريقة في الحصول على مياه الشرب. ففي بعض بقاع الخليج العربي ارتفعت مستويات الملوحة إلى ثمانية أضعاف المستوى الطبيعي، مما ينعكس سلبا على الثروة السمكية والحياة البحرية بشكل عام، كما للموضوع آثار سلبية على الزراعة.

وينتقد الكاتب الاستخدام غير المسؤول للمياه في الكثير من الدول العربية حيث تبدد مياه الشرب ذات التكلفة الإنتاجية المرتفعة على سقي ملاعب الغولف والحدائق المنزلية.

ويخلص تقرير السلام الأزرق إلى نتيجة مفادها أن الخطر يتصاعد باستمرار وسينتهي إلى يوم يجبر فيه الجميع على الجلوس معا وتقاسم الثروات والموارد وإلا ستواجه المنطقة صراعات مدمرة.



ويقول التقرير إن هذه الطريقة هي فرصة أخرى للسلام، فبدلا من الفناء الذي يمكن أن تجره الحرب يمكن أن تصبح الحاجة إلى تقاسم الموارد المائية والطبيعية سببا في الوئام بدلا من الصدام.

المصدر : الأوبزرفر