بن علي وليلى في جولة انتخابية قرب تونس العاصمة في أكتوبر 2009 (الفرنسية-أرشيف)

عندما غادر زين العابدين بن علي تونس يوم 14 يناير/كانون الثاني الماضي، لم تكن نيته أن يستقر في المنفى، بل غادر وهو مقتنع بأنه سيعود في صورة المخلّص عندما تغرق بلاده في الفوضى. هكذا أقنعه بعض أركان نظامه، كما أظهرت شهادات حصلت عليها مجلة لو نوفال أوبسيرفاتور الفرنسية، صوّرت أيضا لحظات الكراهية بينه وبين زوجته ليلى التي حملته مسؤولية كل ما جرى.
 
وتحكي شهادات الساعات الأخيرة للرجل في تونس، كيف نزل من سيارة المرسيدس السوداء التي حملته إلى مطار قرطاج وكيف تقدم إلى سلم الطائرة وهو مهزوز من كل ما حدث.
 
"اتركوني، لا أريد الرحيل، أريد أن أموت هنا في بلدي"، يصرخ الرجل وهو يضم إلى صدره حقيبة سوداء هي كل ما حمل معه في تلك الجمعة عند الساعة الخامسة مساء بتوقيت تونس العاصمة التي كانت تغلي شوارعها غضبا.
 
"سُحقًا لك! ستصعدْ!" يصيح به علي سرياتي مدير الأمن الرئاسي ورفيق الرئيس المخلوع لثلاثة عقود، وهو يدفع به شاتما ليصعد درجات سلم الطائرة.
 
لم يجرؤ أحد من العسكر، الذين رافقوا المجموعة التي ضمت الرئيس وزوجته وابنهما محمد وابنتهما حليمة وخطيبها وقهرمان (رئيس الخدم) القصر الرئاسي، على أن يلمس الرئيس.
 
أما زوجته فقد أذاقته سلاطة لسانها حتى في لحظات السقوط هذه.
 
"اصعد أيها الغبي. لقد كان عليّ أن أتحمل حماقاتك طول حياتي"، كما جاء في الشهادات التي جمعتها الصحفية الفرنسية.
 
وتحكي الصحفية كيف اغرورقت بالدموع عينا أحد الضباط الذي كان بين العسكريين الذين رافقوا هذه المجموعة إلى مطار قرطاج "عندما تذكر هذه اللحظة من التاريخ... كما لو استصْعب كيف أنه عاش كل هذه السنوات الطويلة تحت نير رجل جبان".
 
ولتتوج مشهد الخصام العائلي هذا، تصيح حليمة وهي تصعد سلم الطائرة "اتركوا أبي وإلا قتلتكم جميعا".
 
لم يكن الرئيس ليغادر أبدا لو لم يصدق ما قاله سرياتي له من أن رحيله سيكون مؤقتا، وإنه سيعود في صورة المخلص عندما يشب الحريق في البلد.
 
ستعيدني إلى تونس
عندما يقتنع الرئيس أخيرا، ويركب الطائرة، فإنه لا يني يتردد على قمرة القيادة ليسأل الطيار، ليردد السؤال ذاته "ستعيدني إلى تونس يا ولدي. أليس كذلك؟"
 
ويجيب الطيار -الذي حكى ما جرى للصحفية الفرنسية- "طبعا".
 
بقية القصة معروفة. فقد "تشردت" طائرة الأوسكار (هكذا كان اسمها) بين مالطا وفرنسا، قبل أن تتوجه إلى جدة حيث لجأ بن علي.
 
أما ليلى، فقد تحول حلمها وهي التي كانت تطمح إلى أن تخلف زوجها يوما في الحكم، إلى "كابوس في صورة طاغيةٍ بشعر مصبوغ ووجه منتفخ من أثر "البوتوكس"، الرجل ذاته الذي كانت تريد طرده من السلطة، وعليها من الآن فصاعد أن تقاسمه المنفى".

المصدر : الصحافة الفرنسية