وحشية قوات الأمن أظهرتها الشاشات المستقلة (رويترز)

رغم الدور الحاسم الذي تلعبه المؤسسة العسكرية في ثورة مصر فإننا قليلا ما نسمع عن أولئك الذين في قلب القوات المسلحة من العسكريين العاديين وذوي الرتب المتوسطة الذين يمكن أن تحدد موالاتهم للجيش، أو عدمها، نتيجة الثورة.

ومن هؤلاء ضابط احتياط سطر رواية فريدة للحياة في الجيش المصري. وكان هذا الضابط في الخدمة منذ عدة سنوات وامتدت السنة الأخيرة من خدمته طوال الانتفاضة المناوئة لمبارك قبل إتمامها في نهاية هذا العام. أما عن اسم الضابط وهويته فقد أُخفيت وأُعيدت صياغة كلماته للإيضاح والحفاظ على سرية صاحب هذه اليوميات.

ويقول هذا الضابط "كان تدريب الضباط مكثفا وكان نهارنا يبدأ في الساعة الخامسة صباحا في ظل ظروف رهيبة. وكانت محاولة لكسر شوكتنا وتحويلنا من مدنيين إلى عسكريين. وكانت الساعات ممتلئة بتجمعات وتشكيلات لا معنى لها حيث كنا نقف لساعات في الشمس وكنا نستمع إلى أغاني الجيش ونغني النشيد الوطني يوميا ونطيع أوامر صف الضباط الذين كانوا يعاملونا بطريقة مهينة. وكان الطعام النظامي سيئا وكان يقدم مع أوعية وملاعق قذرة، وكانت الإدارة سيئة. ومثل هذه الأشياء كانت متعمدة حتى نقبل على الكافيتريا (المطعم) المكدسة ونشتري منها ليجني الجيش المال".

تدخلُ الجيش في الأحداث الأخيرة يشوّه صورته (رويترز)
وكان العقاب على الإساءات البسيطة يشمل إجبارنا على البقاء في مركز التدريب في أيام إجازاتنا وكانوا يجعلوننا نرقد وأيدينا وراء ظهورنا ثم نزحف على الأرض، وكنا نؤمر بالوقوف في الشمس لساعة بكامل الزي والعتاد أو الزج بنا في السجن الذي كان أفضل من الجدول اليومي العادي لأننا على الأقل كنا نبتعد عن حر الشمس.

وأحيانا كنا نتمرد حتى يمتلئ السجن وعندها يضطرون لمحاولة أن يكونوا أكثر لطفا معنا. وفي البداية لم يسمح لنا أبدا باستخدام الهواتف ولكن مع مرور الوقت اكتشفنا وسائل للالتفاف على اللوائح وتدبرنا أمرنا في أي شيء كنا نريد إدخاله للثكنات: الهواتف والحواسيب النقالة وألعاب التسلية والمشروبات وما شاكل ذلك.

وأكبر تحد لنا، يقول الضابط، كان المحافظة على رباطة الجأش وارتفاع الروح المعنوية، وتذكر أنهم كانوا يحاولون كسر شوكتنا. وكبار الضباط ما زالوا يعيشون حقبة عام 1973 ويقضون جل أوقاتهم في تذكيرنا بالخطر المحدق الذي تشكله إسرائيل وكيف أن الإسرائيليين خائفون من الأعداد الغفيرة من الضباط الشباب المتعلمين الذين يُجندون سنويا في الجيش المصري. وكان الأمر مختلفا آنذاك لأنه كانت هناك قضية نقاتل من أجلها، أما الآن فإن الأمر مجرد هراء وفساد ووظيفة أخرى فقط لمعظم العاملين بالجيش.

وكان الجيش لمعظم أصحاب الرتب المتوسطة مجرد وظيفة مستقرة وراتب وحوافز جيدة، وكان أغلبهم سذجا وغير ناضجين سياسيا وجاءت الثورة فأخذتهم على حين غرة. وعندما بدأت ثورة 25 يناير/كانون الثاني وقف هؤلاء الضباط على نحو غريزي ضد الاحتجاجات، لكن بمجرد أن بدأ النظام الحاكم في التصدع كانوا مرتاعين لسماعهم القصص التي ظهرت عن الفساد المحيط بمبارك وأعوانه.

وأصبح معظم هؤلاء الضباط مؤيدين للثورة، لكني أعتقد أنه كان هناك بعض المرارة عن حقيقة أن الأمور كانت بهذه العفونة طوال هذه المدة، ومع ذلك لم يحرك جيلهم ساكنا بشأنها. والآن الفتية الأصغر سنا هم الذين يصنعون هذا التغيير السياسي، أما الكبار فقد شعروا بالارتباك ولم يكونوا متأكدين ماذا يصدقون.

تصعيد الفتنة
وبعد سقوط مبارك وبدء حكم المجلس العسكري للقوات المسلحة، تحرك كبار قادة الجيش بسرعة لتأمين ولاء كل الضباط الصغار ومتوسطي الرتب. وعندما كانت تحدث مظاهرة حاشدة يوم الجمعة أو تجمهر في ميدان التحرير كان الواحد منا يتلقى حافزا ما بين 250 و500 جنيه سواء كان لنا أو لم يكن لنا علاقة بحفظ الأمن في الاحتجاجات.

ومن المثير للسخرية أنه في أوج الاضطرابات تضاعفت رواتب ضباط الاحتياط، وكان كل ضابط يتلقى حوافز ضخمة طوال الوقت بلغت 2400 جنيه في شهري يناير/كانون الثاني وفبراير/شباط.

من المثير للسخرية أنه في أوج الاضطرابات تضاعفت رواتب ضباط الاحتياط وكان كل ضابط يتلقى حوافز ضخمة طوال الوقت بلغت 2400 جنيه في شهري يناير/كانون الثاني وفبراير/شباط
وكان واضحا أن الجيش حاول يائسا تفادي أي شكل من أشكال الاحتجاج في البلاد بمجرد رحيل مبارك. وكان الهدف هو إقناع المزيد من الإسلاميين الذين ربما كانوا أكثر عداوة للقوات المسلحة، وإرهاب أي شخص آخر قد يفكر في التظاهر. وكانت كل مواجهة مع المتظاهرين بمثابة اختبار لقياس الرد الشعبي ومعرفة إلى أي مستوى من الوحشية والعنف يمكنهم أن يفلتوا من العقاب.

وكان هذا الأمر أوضح ما يكون أثناء أحداث ماسبيرو (احتجاج الأقباط ومؤيديهم في 9 أكتوبر/تشرين الأول الذي هوجم من قبل القوات المسلحة وخلف 27 قتيلا). لقد كان الإعلام والجيش ووزارة الداخلية يعملون دوما جنبا إلى جنب من أجل أهدافهم الشخصية، وفي هذا المثل عملوا على تصعيد الفتنة بين المسلمين والمسيحيين، وكان الجهل والارتباك الصفة المميزة داخل الرتب العسكرية.

وكانت الأقلية المسيحية من وجهة نظر البعض -داخل الجيش وخارجه- أقل أهمية، ومن ثم كانوا هدفا سهلا. ويجب عليك أن تتذكر أن الضباط لا يشاهدون غير التلفاز الرسمي ومن ثم فإنهم لا يرون أبداً المشاهد التي تعرض على موقع يوتيوب التي توضح الجانب الأظلم للعسكر. وهم يعيشون حالة من الإنكار.

ولكن بمرور الأشهر، رغم هذا الجهل ونظام الحوافز السخي، تزايد السخط على القائد الأعلى للمجلس العسكري المشير محمد حسين طنطاوي. ومعظم الضباط من الرتب المتوسطة ينظرون إليه على أنه ذراع مبارك اليمنى، ويكرهون حقيقة أن عنف المجلس العسكري قد شوه صورة الجيش في أعين الشعب.

ومع ذلك ما زال كثيرون يرفضون الاحتجاجات الحالية لأنهم يشعرون بأن الوقت غير مناسب وأيضا لأنهم مستاؤون من أن آخرين يستطيعون الخروج والتظاهر في الشوارع في حين أنهم أنفسهم ليس لديهم هذه الحرية. لكن التوجه بدأ يتغير، خاصة بعد قيام قنوات تلفزيونية مستقلة ببث مشاهد الفيديو عن العنف الأخير، ووحشية قوات الأمن أصبحت الآن تُناقش علنا من قبل شخصيات إعلامية بارزة مثل يسري فودة وإبراهيم عيسى. وهناك المزيد والمزيد من ضباط الرتب المتوسطة بدؤوا ينقلبون على المجلس العسكري وعلى طنطاوي.

المصدر : غارديان