ذي إندبندنت تساءلت: أي عراق تركت القوات الأميركية خلفها؟ (رويترز)

استمرت أصداء الانسحاب الأميركي من العراق بعد تسع سنوات من غزوه، في الاستحواذ على اهتمام الصحف البريطانية، وقال الكاتب غاري يونغ في مقال له في صحيفة ذي غارديان البريطانية إن كل الجهود يجب أن تتضافر للتصدي لأولئك الذين يحاولون تنميق وتزويق الإرث البائس الذي تركته الولايات المتحدة في العراق.

واستهل يونغ مقاله باستذكار واقعة مذبحة حديثة في 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2005، عندما قتل جندي أميركي وجرح اثنان من زملائه جروحا بالغة في انفجار عبوة ناسفة استهدفت موكبهم في مدينة حديثة العراقية. وكان الرد أن الجنود الأميركيين فتحوا النار وأعدموا 24 مدنيا عراقيا من ضمنهم طفل في الثالثة من عمره وشيخ مُقْعَد في السادسة والسبعين من عمره.

ويستعرض الكاتب أيضا ردّ آمر القوات الأميركية المتمركزة في منطقة حديثة ومحافظة الأنبار في ذلك القوت ستيف جونسون الذي قال باستخفاف بالغ "هذا يحدث على الدوام (..) وهي تكلفة نتجت عن القيام بعملنا في تلك الواقعة".

لقد بدأت هذه الحرب بآباء كثر تبنوها، ولكنها انتهت وهي يتيمة وانتهت بتلطيخ سمعة أولئك الذين شنوها والأغبياء الذين وفروا لها الغطاء الفكري
ويقول الكاتب "إن الطرح القائل بأن إزاحة (الرئيس العراقي الأسبق) صدام حسين عن السلطة تشفع بشكل أو بآخر لارتكاب أفعال الكذب والتعذيب والتهجير والذبح وعدم الاستقرار وخرق حقوق الإنسان، هو طرح فاسد".

ويتابع يونغ "لقد بدأت هذه الحرب بآباء كثر تبنوها، ولكنها انتهت وهي يتيمة وانتهت بتلطيخ سمعة أولئك الذين شنوها والأغبياء الذين وفروا لها الغطاء الفكري. ولم يتم محاسبة أحد".

ويستخدم الكاتب استطلاعات رأي تزامنت مع سحب القوات الأميركية من العراق، مدخلا إلى فكرة مفادها "هناك فرق بين أن تندم على فعل شيء وبين أن تتعلم من فعل شيء".

يقول يونغ "أظهرت استطلاعات الرأي أن أكثر من 70% يؤيدون الانسحاب، وأكثر من النصف يعتقد أن حرب العراق كانت خطأ، بينما عارض ثلثا المستطلعة آراؤهم الحرب".

العقلية الأميركية تعتبر أن حرب فيتنام كانت خطأ، ليس لأن بلدا مستقلا تعرض للغزو، وليس لأنه سوّي بالأرض، وليس لأن الملايين قتلوا وعذبوا في تلك الحرب، بل لأن أميركا لم تربح تلك الحرب
ولكن يعود يونغ فيقول إن المشكلة هي في تركيبة العقل الأميركي، الذي يقيس كل شيء بناء على ربح أميركا من عدمه، ويأخذ حرب فيتنام مثالا ويقول "العقلية الأميركية تعتبر أن حرب فيتنام كانت خطأ، ليس لأن بلدا مستقلا تعرض للغزو، وليس لأنه سوّي بالأرض، وليس لأن الملايين قتلوا وعذبوا في تلك الحرب، بل لأن أميركا لم تربح تلك الحرب".

ويستمر الكاتب في استعراض تجاهل الأميركيين لغيرهم وتركيزهم على أنفسهم فقط، ويستعرض استطلاعات الرأي التي نشرتها الوسائل الإعلامية الأميركية الكبرى والتي تسأل "هل تعتقدون أن إزاحة صدام حسين تستحق أرواح الأميركيين التي أزهقت والموارد الأميركية التي استنفدت من أجلها؟" ويقول استطلاع آخر "هل تعتقدون أن الأرواح الأميركية التي أزهقت والأموال والموارد الأميركية التي بددت، هي ثمن مناسب للنتائج التي تمخضت عنها حرب العراق؟".

ويعلّق الكاتب هنا بالقول "خسائر العراقيين ببساطة لا يأتي ذكرها".

ويستمر الكاتب في استعراض استخفاف الأميركيين بالعراقيين، ويقتبس من مقابلة لصحيفة نيويورك تايمز مع ضابط أميركي قال فيها إنه كان يصدّق ادعاء جنوده الذين يقتلون أطفالا عراقيين بأنهم لم يقتلوا عن قصد، ويقول لهم إنهم ليسوا مسؤولين عن أفعالهم لأنهم لم يعلموا بوجود أطفال، ويعلل الضابط ذلك بأنه لم يشأ أن يحمل ضمير جنوده عبء تعذيب الضمير بقية حياتهم.

ويشبه الكاتب موقف الولايات المتحدة وإعلامها من الحرب في العراق وتناسي آلام العراقيين التي تسبب فيها الغزو الأميركي بأنه يشبه قيام شخص بتوجيه لكمة لشخص آخر خلعت فكه، ولكنه لا يريد أن ينتبه أحد إلا إلى الألم الذي أصاب يده من جراء توجيهه اللكمة إلى الشخص الآخر.

من جهة أخرى، تساءلت صحيفة ذي إندبندنت "كيف هو العراق الموحد والمستقر الذي تركته القوات الأميركية خلفها؟".

وتجيب الصحيفة "تقول التقارير إن رئيس الوزراء الشيعي نوري المالكي يعد العدّة لإصدار أمر بإلقاء القبض على نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي على خلفية تهم بالإرهاب تتعلق بتفجير مبان حكومية في بغداد. السيد المالكي أمر بالفعل بإلقاء القبض على عدد كبير من السنة "المخربين" ويبدو أن تلك الخطوة جاءت على خلفية معلومات من الحكومة الليبية الجديدة، التي يدعي مسؤولوها أن (العقيد الليبي الراحل) معمر القذافي كان يعد العدة لانقلاب في العراق. أعضاء البرلمان السنة انسحبوا من البرلمان اعتراضا لما يعتبرونه اضطهادا طائفيا".

وتكمل الصحيفة "أعلن مقتدى الصدر رجل الدين الشيعي الذي يتمتع بصلات قوية مع إيران، أن ممثلي الاحتلال الذين بقوا في العراق هم أهداف مشروعة"، وهم الدبلوماسيون وموظفو الإغاثة الذين يعملون مع الحكومة الأميركية.

وعلى الصعيد العرقي، تقول الصحيفة إن العرب العراقيين سنة وشيعة على خلاف مع الأكراد حول المناطق الغنية بالنفط.



ولكن الصحيفة تختم بالقول إنه رغم كل ذلك، فالصورة ليست قاتمة تماما، فالاقتصاد يتعافى ببطء والعنف تدنى مستواه، بعد تسع سنين من الحرب التي أزهقت عشرات الآلاف من الأرواح معظمهم من العراقيين.

المصدر : غارديان,إندبندنت