مجموعة العشرين تعد صندوق النقد الدولي ملاذا لتمويل خطة إنقاذ منطقة اليورو (رويترز)

كينيث روغوف*

مع تركيز دول مجموعة العشرين اهتمامها في الوقت الراهن على صندوق النقد الدولي ملاذا لتمويل خطة إنقاذ منطقة اليورو من ديونها، يتعين أن تحدد الهدف الذي سيتحقق من وراء الأموال التي ستحصل عليها.

وما لم يمنح الصندوق السلطة لفرض شروطه على منطقة اليورو، يصعب رؤية فائدة كبيرة تتحق من انخراطه في أزمة الديون، بعيدا عن أنه سيقدم "ورقة تين" لتغطية المشتريات المهولة للبنك المركزي الأوروبي من السندات الهالكة المقومة باليورو التي أصدرتها دول اليورو.

اليوم كل الأنظار مسلطة على الدراما اليونانية في وقت نعلم فيه أن المشكلة أعمق وأكثر إلحاحا، فهناك على الأقل خمسة عيوب في البنية الراهنة لمنطقة اليورو.

أولا: القيود المفروضة على سقوف الديون المنصوص عليها في معاهدة ماسترخت ليست بالصرامة والحزم الكافي سواء من حيث الحجم أو من حيث قوة الردع.

ثانيا: ليست هناك آلية تحكم التحويلات المالية الكبيرة بما يسمح بتوزيع المخاطر كما هو الحال بالنسبة للدول التي تملك عملة وطنية. فإذا ما أرادت الحكومات الوطنية الأوروبية أن تضبط بصرامة عمليات الاقتراض، فلا بد من آلية أخرى لتسهيل الاستهلاك في فترات الركود. (نظريا يمكن استخدام أسواق المال للتحوط من المخاطر المرتبطة بالاقتصاد الجزئي عبر الدول، لكن عمليا ثمة عقبات كثيرة).

ثالثا: ليس هناك ما يسمى "مقرض الملاذ الأخير" (Lender of last resort) كي تلجأ إليه المؤسسات المالية الخاصة في الدول ذات الأوضاع المالية الضعيفة. فحتى لو كانت الحكومة الإيطالية المركزية لا تزال ذات وفرة مالية، فهي تفتقر إلى الآلية اللازمة لتوفير حماية كافية للمصارف الوطنية.

فلو كانت إيطاليا ما زال لديها عملتها الوطنية، لكان بوسعها أن تطبع مزيدا من النقد في حال نفاد الخيارات من أمامها، ولذلك هي غير قادرة على الطلب من المصرف المركزي الأوروبي لفعل ذلك.

رابعا: أوروبا بحاجة إلى مؤسسة مركزية وقوية لضبط السياسات المالية لا لسبب إلا للحد من تفجر أزمات ديون خاصة. فسقوف معاهدة ماسترخت لا تنطبق إلا على الديون العامة. ومع ذلك، فالديون الخاصة في الواقع تتحول إلى ديون عامة كما أشرت ذات مرة في بحث لي.

أخيرا، كثيرا من قرارات منطقة اليورو تتطلب السرية، وهو ما يضيف قدرا من العجز على الحكومات الوطنية التي تعاني أحيانا من هذا الأمر.

روغوف: مخاطر انتقال عدوى إفلاس اليونان حقيقية وقوية، لكن قادة منطقة اليورو بحاجة إلى تحديد دقيق لما يمكن للصندوق أن يقدمه لمنظومة اليورو التي تتمتع بثراء كبير لكنها عاجزة سياسيا
اتفاق سياسي
وحتى لو أجريت إصلاحات دستورية لإصلاح هذه العيوب الهيكلية، فثمة حاجة إلى اتفاق سياسي للتعامل مع الاختلالات الحادة المرتبطة بالديون التي تراكمت. فأي حل سيتضمن تحويلات كبيرة باتجاه واحد من الشمال إلى الجنوب.

وفي مقابل أي عون، فإنه سيتعين على الدول الأوروبية الجنوبية إخضاع سياساتها على مستوى الاقتصاد الكلي للدول الشمالية الغنية. لكن هذا الأمر لا يبدو محتملا من الناحية السياسية، ولذلك من الصعب معرفة كيف يمكن للأموال الكبيرة التي سيقدمها صندوق النقد الدولي تسوية مشكلة الحوكمة الأوروبية ما لم يسمح للصندوق بفرض اشتراطات قاسية.

ولعل الحالة الوحيدة التي تكون فيها الأموال الخارجية مفيدة هي الحالة التي نحتاج فيها إلى منع المصارف من حجب التمويل عن الحكومات ذات الوفرة المالية الجيدة. لكن للأسف، التفريق بين الوفرة المالية والملائة المالية أمر صعب عند التطبيق.

ورغم سمعته الجيدة، فإن صندوق النقد كثيرا ما كانت تقديراته للتفريق بين مشكلات الملاءة المالية ومشكلات الوفرة المالية غير دقيقة. وبالطبع يمكن استخدام الصندوق وسيلة لفرض اشترطات على دول الجنوب، لكن سقوف التقشف التي يمكن فرضها لا تزال قيد التجريب في منطقة الجنوب.

إن مخاطر انتقال عدوى إفلاس اليونان حقيقية وقوية، لكن قادة منطقة اليورو بحاجة إلى تحديد دقيق لما يمكن للصندوق أن يقدمه لمنظومة اليورو التي تتمتع بثراء كبير لكنها عاجزة سياسيا.




________________________________

أستاذ اقتصاد ومسؤول سابق في صندوق النقد الدولي

المصدر : فايننشال تايمز