*دانيل غروس

لماذا ثارت ثائرة قادة أوروبا عندما لوح رئيس الوزراء اليوناني جورج باباندريو بإجراء استفتاء على حزمة الإنقاذ التي أقرت في قمة منطقة اليورو أواخر الشهر الماضي؟ ذلك الإجراء الذي تم التراجع عنه لاحقا نزل كالصاعقة على رؤوسهم لأنه كان سيترك تداعيات عميقة على منظومة الحكم الأوروبية وعلى مصير اليورو.

فقبل أسبوع فقط، بدا قادة أوروبا سعداء بنجاحهم في إحداث تغيير جذري في الطريقة التي تنسق بموجبها السياسات المالية والاقتصادية لمنطقة اليورو، حيث أصبح التنسيق على مستوى منطقة اليورو مقدم على القرارات التي تتخذها الحكومات الوطنية. وبعبارة أخرى بدأت معالم حكومة اقتصادية أوروبية في التشكل.

من الناحية الفنية، الاستفتاء المقترح لم يكن متعلقا بالسياسات المالية أو الاقتصادية، لكن تبعاته الاقتصادية على منطقة اليورو لو جرى لكانت عميقة، لأن رفض صفقة الإنقاذ المقدمة لأثينا كان سيغلق الباب أمام أي تنسيق إضافي مع الاتحاد الأوروبي حيال أزمة ديون اليونان، وحينذاك ستغرق اليونان أو تضطر للسباحة وحدها.

ولذلك، فإنه بعد أيام قليلة فقط على نجاح قمة قادة أوروبا بشأن تعزيز التنسيق بين دولهم، بدا ذاك النجاح دون قيمة بالنسبة للبلد الأشد حاجة لهذا التنسيق. كما أن توجهات باباندريو للاستفتاء كشفت عن عيب قاتل في مخططات قادة أوروبا لتحويل الاتحاد النقدي إلى اتحاد سياسي ومالي بهدف دعم اليورو.

بوسع الحكومات التوقيع على المعاهدات وتقديم التزامات لتنسيق سياساتها بما يلبي رغبات الاتحاد الأوروبي ككيان، لكن الشعب في النهاية يمكنه رفض أي برامج تصحيحية تود بروكسل فرضها
سيادة الشعوب
التلويح بالاستفتاء أظهر أن الشعوب وليست الحكومات هي صاحبة السيادة الحقيقية. بوسع الحكومات التوقيع على المعاهدات وتقديم التزامات لتنسيق سياساتها بما يلبي رغبات الاتحاد الأوروبي ككيان (أو للدقة بما يلبي رغبات ألمانيا والبنك المركزي الأوروبي)، لكن الشعب في النهاية يمكنه رفض أي برامج تصحيحية تود بروكسل (أي برلين وفرانكفورت) فرضها.

ويظل الاتحاد الأوروبي مجموعة من الدول السيادية، وبالتالي فهو غير قادر على إرسال "جيش" أو "قوة أمنية" لفرض معاهداته أو تحصيل ديونه، وأي دولة بوسعها الخروج من الاتحاد الأوروبي وبطبيعة الحال من منطقة اليورو حينما يصبح عبء التزاماتها ثقيلا.

وحتى الآن، ثمة افتراض أن كلفة الخروج باهضة جدا بما يمنع أي دولة من التفكير في الخروج، لكن هذا الافتراض لم يعد دقيقا.

هذا أيضا يعني ضمنا أن سندات اليورو لن تكون الحل السحري لأزمة ديون القارة كما اعتقد البعض. وطالما بقيت الدول الأعضاء تحتفظ بسيادتها كاملة، فإنه لا يمكن طمأنة المستثمرين أنه في حالة تفكك منطقة اليورو، فإن بعض الدول لن ترفض تسديد ديونها بهذه البساطة أو لن ترفض تسديدها للآخرين.

ومع تصاعد المعارضة الشعبية في ألمانيا وهولندا لتقديم العون للدول الأوروبية الجنوبية، فإن حكومتي هذين البلدين قد تضطران إلى استفتاء شعبيهما حول ما إذا كانوا يريدون تحمل الكلف العظيمة المترتبة على التزاماتهم بإنقاذ أعضاء منطقة اليورو غير الراغبين أو القادرين على تسديد ديونهم.

ولهذا السبب نجد أن السندات التي أصدرها صندوق الإنقاذ الأوروبي والصناديق الأخرى تتحرك في نطاق سعري منسجم مع ديون ألمانيا، وهو ما يفسر ربما فشل جهود كلاوس ريلنغ رئيس الصندوق في إقناع الصين واليابان ودول آسيوية أخرى بشراء هذه السندات لانخفاض العائد عليها.

الرسالة الأعم من وراء خيار الاستفتاء هي أن مفهوم "التنسيق" يعني في الواقع سيطرة شبة كاملة للدائنين،  وأن محاولة فرض ديكتاتورية ناعمة من جانب الدائنين يقابلها ثورة من جانب المدينين
ديكتاتورية ناعمة
الرسالة الأعم من وراء خيار الاستفتاء هي أن مفهوم "التنسيق" يعني في الواقع سيطرة شبة كاملة للدائنين (أحيانا بالتعاون مع البنك المركزي الأوروبي)، وأن محاولة فرض ديكتاتورية ناعمة من جانب الدائنين يقابلها ثورة من جانب المدينين.

ولذلك جاءت ردة فعل الأسواق قوية للغاية لأن المستثمرين فهموا أن "الديون السيادية" هي ديون "سيد" قادر على أن يقرر بكل بساطة ألا يسددها.

ومن هنا فقد فهم مالكو السندات المستحقة على الدول الأعضاء في منطقة اليورو رسالة اليونان على هذا النحو: حينما تتعمق أزمة الديون، فإن صاحب السيادة الحقيقية (الشعب) هو من سيقرر ما إذا كان بالفعل يريد أن يسدد ديونه.

وقد يأتي الجواب قاطعا: لا، كما تظهر استطلاعات الرأي في اليونان وتجربة آيسلاندا التي رفض شعبها مرتين صفقات رتبتها الحكومة الأيسلندية.

لا أحد يعلم حتى اليوم ما إذا كانت البرتغال أو إيطاليا هما المحطتين المقبلتين على طريق الرفض. غير أن النتيجة متوقعة بصورة كبيرة، فخطر انفجار مشكلات الديون في الأطراف يزداد يوما بعد يوم.

ولهذا فإن أي توجهات مستقبلية لإجراء استفتاءات شعبية على صفقات الإنقاذ في أي من الدول الأوروبية المهددة قد يعني بداية النهاية لليورو.

 *مدير مركز دراسة السياسات الأوروبية

المصدر : بروجيكت سينديكيت