الثورة التونسية مثلت باكورة الثورات العربية (رويترز-أرشيف)

لم تكن الانتفاضات في سوريا وليبيا وتونس ومصر مجرد حركات جماعية فحسب, بل مثلت كذلك صورا لشجاعة عدد لا يحصى من الأفراد ممن اتخذوا قرارات خاصة على أساس الفكر والأخلاق والشجاعة، ولكن أيضا على أساس المصلحة الذاتية وحسابات الربح والخسارة والمخاوف, حسب الكاتب بن ماسنتاير.

في بداية مقاله بصحيفة تايمز يتوقف ماسنتاير عند عدة محطات ليستعرض بعض المواقف التي قد يجد فيها بعض الأفراد أنفسهم فيقول "هب أنك جندي سوري تتابع -وشكوكك في ازدياد- الثورة وأوارها يزداد اتقادا, هل تتسلل ليلا للانضمام إلى جيش سوريا الحر؟ هل تتبع الضابط الآمر إذا انضم إلى المتمردين أم تبقى؟ هل تنتظر وتراقب أو تترك نفسك تغرق؟".

في مواجهة الطغيان لا يقاوم إلا القليلون، البعض يتعاون مع الطغاة والغالبية العظمى تذعن لهم, وما يجعل الربيع العربي غير عادي هو أن عددا كافيا من الجماهير التي تعودت على الإذعان قرر أن يثور
"
وتخيل أنك صاحب متجر في مدينة سيدي بوزيد (وسط تونس)، وهناك أناس في الشوارع يحتجون على مقتل أحد باعة الفواكه لم تسمع عنه قط هل تنضم إلى الاحتجاج وتساعد في صناعة التاريخ؟ أم هل تسدل الستار وتأمل أن ينتهي كل ذلك بسرعة؟

وماذا لو كنت في طرابلس وقت اقتراب الثوار منها، أو القاهرة وقت احتشاد الجماهير بساحة الحرية وبدأت الهواجس تنتابك هل أنضم لحركات المقاومة، أم أتراجع؟ ماذا عن عملك؟ ماذا عن أولادك؟ "لا يمكنك إطعامهم إذا كنت قيد الاعتقال في سجن الشرطة السرية أو ميتا".

وتحت عنوان: "هل تقبل أن تكون متمردا أو تعيش منكس الرأس؟" استطرد ماسنتاير يقول إنه لا شك أن ثمة من يعتبر الأحداث الصاخبة للربيع العربي موجات هائلة لاضطرابات سياسية واجتماعية، وفيضانات تاريخية حتمية تتدفق في اتجاه واحد.

والواقع هو أن جميع هذه الحركات الجماهيرية تشكلت من عدد لا يحصى من الأفراد الذين اتخذوا قرارات خاصة على أساس الفكر والأخلاق والشجاعة، ولكن أيضا حسب مصالحهم الذاتية وحسابات الربح والخسارة وكذلك الخوف.

فالإدراك المتأخر يقلل من تقدير أهمية قرارات شخصية معقدة ذات دوافع أخلاقية بسيطة: فمعارضة العقيد الليبي معمر القذافي، أو زين العابدين بن علي أو بشار الأسد أو حسني مبارك، تبدو اليوم خيارا أخلاقيا واضحا, لكن التاريخ لا يرسم بالأسود والأبيض فقط، بل هو مفعم بالحلول الوسط وظلال اللون الرمادي، التي تمليها الظروف والطبائع الفردية تماما كما تمليها المعتقدات السياسية.

وفي مواجهة الطغيان، لا يقاوم إلا القليلون، البعض يتعاون مع الطغاة والغالبية العظمى تذعن لهم. وما يجعل الربيع العربي غير عادي هو أن عددا كافيا من الجماهير التي تعودت على الإذعان قرر أن يثور.

لكن مقاومة استبداد لا يرحم -استبداد منظم تنظيما جيدا- مهمة صعبة بشكل لا يتصور، فهي تتطلب مستوى من الشجاعة، قليلون هم من يعرفون أنهم يمتلكونه إلا إذا خضعوا للاختبار.

فكل دكتاتورية تشكل نوعا من الاستعمار الموجب للطاعة، المفروض بالقوة. ففي طرابلس ودمشق والقاهرة تعاون البعض مع السلطة وأخبر عن جيرانه وبدأ يمد قوات الأمن بالمعلومات، والبعض الآخر سعى إلى تقويض النظام الدكتاتوري بالاحتجاج، والتجمع والرد على الهجمات، لكن كثيرين وقفوا متفرجين يراقبون ويتساءلون ويأملون. 

مصدر إلهام ملايين الناس في أنحاء العالم العربي، لم يكن الحماسة الإسلامية ولا القادة الذين يتمتعون بالشعبية والكاريزمية، بل تواصلهم مع بعضهم واتفاقهم على أن مخاطر المقاومة أفضل لهم من الاستمرار في الحياة تحت الاستبداد
"
وكما كانت حال فرنسا تحت الاحتلال النازي، فإن من أخذوا على عاتقهم أصعب ما في الربيع العربي من مهام هم من لم يكن لديهم الكثير حتى يفقدوه: المعلمون، والناشطون والصحفيون والفلاحون والشباب ممن لا يكبلهم الخوف, وكما في كل الثورات فإن من لا يملكون إلا القليل يميلون إلى التمرد قبل الأغنياء، لكنهم كما هي حال جميع حركات المقاومة ممزقون من الداخل بالتناقضات التي مردها التنافس.

لكن مصدر إلهام ملايين الناس في أنحاء العالم العربي لم يكن الحماسة الإسلامية ولا القادة الذين يتمتعون بالشعبية والكاريزمية، بل تواصلهم مع بعضهم واتفاقهم على أن مخاطر المقاومة أفضل لهم من الاستمرار في الحياة تحت الاستبداد, ونتيجة لذلك عانى الكثير منهم من السجن والتعذيب والموت.

ولكن هناك شيء لا مفر منه في المقاومة، ناهيك عن نجاحها, فما يحدث مثلا في سوريا لا يتوقف على طفرة تاريخية كبيرة، أو بعض النصر المقدر سلفا أول تغلب للحق على القوة، بل يتوقف على آلاف وربما ملايين الأفراد الذين اتخذوا خيارات أخلاقية في ظروف غير عادية لم يكونوا هم من تسبب في صنعها.

المصدر : تايمز