الوساطة الجادة ستمنع حربا أهلية في سوريا (رويترز)

استهل جوناثان ستيل مقاله بصحيفة غارديان البريطانية بأن سوريا بحاجة لوساطة وليس لدفعها إلى حرب أهلية شاملة، وأنه بتعليق عضويتها وهي في هذه الأزمة فإن الجامعة العربية تعطي نظام الرئيس السوري بشار الأسد سبلا سلمية أقل وتحصره في زاوية خطيرة.

ويرى ستيل أن هذا التهديد ينذر بسوء حيث إن ملك الأردن عبد الله الثاني، الملك المتحفظ عادة، انضم إلى قطر والسعودية، صقور الخليج، في الوقوف إلى جانب خصوم نظام الأسد.

وحيث إن المنطق السليم يملي على الحكومات العربية ضرورة السعي للتوسط بين النظام وخصومه، إلا أنها اختارت بدلا من إذلال حكام سوريا تعليق العضوية في الجامعة العربية.

وليس من قبيل المصادفة أن أقلية من أعضاء الجامعة العربية رفضت تأييد هذا القرار وهي الجزائر ولبنان والعراق. فهذه الدول العربية الثلاث هي التي ذاقت مرارة أعمال عنف طائفية واسعة النطاق وأهوال الحروب الأهلية. ولبنان والعراق، بصفة خاصة، لهما مصلحة مباشرة في منع إراقة شاملة للدماء في سوريا، وهما يخشيان بحق التدفق الضخم للاجئين الذين يمكن أن يتسللوا إلى حدودهما إذا وقعت جارتهما في حرب أهلية.

الجامعة العربية بحاجة لنبذ الهستيريا المعادية لإيران التي تثيرها الولايات المتحدة وإسرائيل والسعودية في أنحاء الخليج. فالهاوية من حرب أهلية شاملة في سوريا أقرب ما تكون إلى الواقع
وأشار الكاتب إلى أن تلك الحرب قد بدأت بالفعل. وصورة النظام الذي يقتل المعارضين العزل، التي كانت حقيقية في مارس/آذار وأبريل/نيسان الماضيين، قد أصبحت قديمة. حيث إن ما يعرف بالجيش السوري الحر لم يعد يخفي حقيقة أنه يقاتل ويقتل القوات والشرطة الحكومية ويعمل من ملاذات آمنة خارج الحدود السورية. وإذا استجمعت زخما فإن الحرب الأهلية الناشئة ستأخذ منحى طائفيا أكثر علانية بالإضافة إلى خطر مذابح ضد الجماعات المتنافسة.

والطائفة السنية المعتدلة في سوريا قلقة من القتال المتزايد للإخوان المسلمين والسلفيين الذين كان لهم اليد الطولى في صفوف المعارضة. والمظاهرات المؤيدة للنظام في دمشق وحلب خلال الأسبوع الماضي لا يمكن تجاهلها ببساطة لأن الجماهير التي خرجت تم ترويعها أو تهديدها بفقدان وظائفهم إذا لم يخرجوا.

كما أن الأقلية المسيحية الكبيرة في سوريا ترتجف حذرا وخشية أن تلقى نفس مصير المسيحيين العراقيين الذين أجبروا على الفرار عندما ضاعف القتل الطائفي أهمية كل هوية دينية للمواطنين، وبدأ يربك غير المسلمين أيضا. وفي شمال سوريا يشعر الأكراد أيضا بقلق من المستقبل. ورغم رفض النظام القديم لقبول حقوقهم القومية فإن معظمهم يخافون الإخوان المسلمين أكثر.

ويرى ستيل أن الحاجة الآن أحوج ما تكون إلى وساطة دولية قبل فوات الأوان مع وضع جدول أعمال لانتقال ديمقراطي يمكن أن يشمل ضمانات لوضع وحماية كل الأقليات، بما في ذلك العلويون الذين منهم النخبة الحاكمة. وخطر استيلاء انتقامي من قبل الأغلبية السنية يشكل خطرا كبيرا.

إمكانية الوساطة
والمطالبة برحيل أسرة الأسد ستؤدي إلى نتائج عكسية ما لم يتم تقديم عفو. وإلا فلماذا يتنازلون عن السلطة بطريقة سلمية إذا كانوا سيواجهون بسوابق مثل ما حدث مع مبارك في مصر من محاكمة وسجن والقذافي من الإعدام بغير محاكمة قانونية.

ومن ناحية ثانية كان هناك إشارات في اجتماع الجامعة العربية في الرباط يوم الأربعاء الماضي إلى أن المنظمة ربما تعيد النظر في تعليقها المتسرع لسوريا يوم السبت الماضي.

فقد كان القرار غير دستوري لأن قمة رئاسية هي التي تستطيع الدعوة لتعليق العضوية ويجب أن يكون الطلب بالإجماع. والآن الجامعة العربية أجلت تنفيذ القرار وأمهلت سوريا ثلاثة أيام لقبول مراقبين مدنيين وعسكريين لمراجعة الموقف. وإذا كتب لهذا الأمر أن يكون جهدا جادا في الوساطة فسيكون أفضل بكثير.

وهناك نموذج سابق وهو الاتفاق الذي أنهى الحرب الأهلية في لبنان بعد مباحثات الطائف في السعودية عام 1989. ورغم أن الاتفاق تم التفاوض بشأنه من قبل أطراف لبنانية وجماعات مصالح متعددة، فإن الرعاية والتأييد السعودي كانا مهمين.

وشكك الكاتب في إمكانية أن تلعب السعودية دورا مشابها اليوم لأن المملكة، المؤيدَة من قبل إدارة أوباما، تبدو عازمة على مهمة معادية لإيران يُعتبر إسقاط النظام السوري فيها كضربة بالوكالة ضد طهران.

والسعوديون والأميركيون يعملان عن كثب مع القوى السنية لسعد الحريري في بيروت والتي لا تزال تتجرع مرارة فقدان السيطرة على الحكومة اللبنانية في ربيع هذا العام.

وقال ستيل إن محاولة تركيا التوسط قوبلت من النظام السوري بأنها مخادعة لأن تركيا كانت تساعد في ذات الوقت المعارضة السورية على تنظيم نفسها في إسطنبول. وتشتت تركيا بين رغبتها في علاقات جيدة مع جارتها إيران وكذلك مع الأنظمة السنية العربية مما جعلها تنحاز تماما للجانب المناوئ للأسد.

كما أن الضغط الأميركي واستعداد واشنطن المتجدد لغض الطرف عن الغارات العسكرية التركية ضد قواعد المقاتلين الأكراد في شمال العراق ربما لعب دورا في هذا.

ويرى ستيل أن الأمم المتحدة نظريا يمكن أن تتوسط، لكن جهودها في التوسط لإنهاء الحرب الأهلية لم تلق تأييدا من الدول الغربية الأعضاء في مجلس الأمن.

وختم الكاتب مقاله بأن بإمكان الجامعة العربية أن تعين مجموعة من العرب البارزين المستقلين للاستماع إلى كل الأطراف في الأزمة السورية والبحث عن "اتفاقية الطائف جديدة".

ويجب على هذا الفريق أن يشرك الشيعة والسنة في الحوار. لكن أولا الجامعة العربية بحاجة لنبذ الهستيريا المعادية لإيران التي تثيرها الولايات المتحدة وإسرائيل والسعودية في أنحاء الخليج. فالهاوية من حرب أهلية شاملة في سوريا أقرب ما تكون إلى الواقع وهي قريبة جدا.

المصدر : غارديان