يتطاير شرر أزمة الديون الأوروبية في كل الاتجاهات، ويستفحل داء القارة منتقلا من أطراف جسدها إلى قلبها. وها هي تنتقل اليوم إلى طور آخر فتطيح باثنين من زعماء القارة المنتخبين بصورة ديمقراطية، جورج باباندريوس رئيس وزراء اليونان وسيلفيو برلسكوني رئيس الحكومة الإيطالية.

العاصفة التي تحاصر أوروبا انتقلت رسميا إلى إيطاليا. وإيطاليا ليست قبرص أو اليونان أو أيرلندا أو البرتغال، إنها سابع أكبر اقتصاد في العالم ورابع أكبر اقتصاد في أوروبا وعضو مؤسس في الاتحاد الأوروبي، بلد غارق في بحر من الديون تتجاوز في حجمها ما جمعته أوروبا حتى الآن في سياق أزمتها مرات ومرات.

ويعلق رئيس وزراء فنلندا على حجم هذه الديون قائلا "من الصعب أن توفر أوروبا الموارد اللازمة لإنقاذ إيطاليا". ويقدر اقتصاديون مستقلون أنه سيتعين على أوروبا -وكل الأطراف التي يمكن أن تساعدها- أن توفر لإيطاليا نحو 900 مليار دولار كي تكفيها مؤنة الاقتراض من الأسواق في السنوات الثلاث المقبلة. فضلا عن الحاجة لتوفير نحو 100 مليار دولار لدعم المصارف الإيطالية. إذن نحن أمام خطة إنقاذ بقيمة تريليون دولار.

صناع السياسة في منطقة اليورو قرروا تجميد العمل بالديمقراطية لأنهم رأوا فيها تهديدا لليورو
هذه مبالغ فلكية ومهولة تطرح على قادة أوروبا سؤالا لطالما تفلتوا من الإجابة عليه بصورة دقيقة. فحينما يقولون إنهم سيفعلون أي شيء لإنقاذ اليورو، فليقولوا لنا اليوم ماذا سيفعلون؟

أحد الحلول الصين، أقنعوا الصين بأن تسهم بقسط من احتياطياتها البالغة 3200 مليار دولار. جرت محاولات في سبيل ذلك لكنها لم تثمر. رئيس مجلس إدارة الصندوق السيادي الصيني جين ليغون قال بلغة صريحة دون مواربة في لقاء مع الجزيرة "إذا ما نظرت إلى المشكلات التي تحدث في أوروبا، فإنها ناجمة عن تراكم مشكلات مجتمع الرفاه المهترئ.  قوانين العمل تحض عل الكسل والخمول لا على العمل والجد".

حل آخر هو الإطاحة القسرية بقيادات منتخبة ديمقراطيا في اليونان وإيطاليا واستبدالهم بخبراء تكنوقراط يحظون بثقة داخل الاتحاد الأوروبي بأنهم قادرون على تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية التي تعتبر ضرورية في عين صانع القرار في برلين (مستودع المال في الاتحاد الأوروبي) وفي بروكسل مقر قيادة الاتحاد الأوروبي.

هذا الأسبوع، فتحت أوروبا مقبرة التاريخ لاحتضان باباندريوس الرئيس الوزراء الاشتراكي في اليونان منذ 2009، وبرليسكوني الملياردير الذي سيطر على الحياة السياسية الإيطالية منذ 1994. أوروبا التي صدرت الديمقراطية إلى العالم تقصي اليوم ساسة منتخبين وهي لحظة فارقة توازي في أهميتها الأزمة ذاتها.

بعبارة أخرى أكثر دقة ووضوح، صناع السياسة في منطقة اليورو قرروا تجميد العمل بالديموقراطية لأنهم رأوا فيها تهديدا لليورو، لقد قرروا أن الوحدة الأوروبية، مشروع القارة الذي يتخلق منذ نصف قرن، يتعرض لخطر يتطلب من الساسة المنتخبين من الشعب مباشرة أن يفسحوا الطريق أمام خبراء غير منتخبين من أحد قادرين على مواصلة هذا "العرض المسرحي".

المصدر : فايننشال تايمز