فوز كرمان يعتبر دليلا على أن الإسلام والسلام صنوان لا يختلفان (رويترز)

كتبت لاورا كاسينوف وروبرت وورث من العاصمة اليمنية صنعاء لصحيفة نيويورك تايمز تقريرا عن توكل كرمان، الناشطة اليمنية التي فازت بجائزة نوبل للسلام، قالا فيه:

عمرها 32 عاما، متحدثة جريئة وناشطة في مجال حقوق الإنسان وأم لثلاثة أطفال. لم يكن يعرفها أحد خارج بلادها، حتى بدأت بقيادة مظاهرات مناوئة للنظام في بلادها.

ولكن عندما منحت توكل كرمان جائزة نوبل للسلام يوم أمس الجمعة، أصبحت حاملة لمشعل الربيع العربي ودور المرأة في المنطقة العربية. وكمسلمة معتدلة توقفت عن استخدام البرقع الذي يغطي كامل الوجه منذ ثلاث سنوات، فهي تمثل وجها آخر هو: أمل الغرب في أن تلعب الحركات الإسلامية يوما ما دورا إيجابيا في إعادة بناء المجتمعات العربية.

إعادة تقييم
تقول نادية مصطفى الأستاذة في العلاقات الدولية في جامعة القاهرة "إن إعطاء جائزة نوبل لإسلامية يعني أن هناك عملية إعادة تقييم. إنه يعني أن الإسلام ليس ضد السلام، ليس ضد المرأة، والإسلاميات يمكن أن يكنّ ناشطات يحاربن من أجل حقوق الإنسان والحرية والديمقراطية".

وكانت كرمان إحدى ثلاث نساء فزن بجائزة نوبل للسلام، والأخريتان هما: رئيسة ليبيريا إيلين سيرليف والناشطة الليبيرية ليما غبوي. وهن أول نساء يفزن بجائزة نوبل منذ عام 2004، وقد أرسل تقييم لجنة نوبل لهذا العام رسالة واضحة بأن إعطاء النساء فرصة هو ضرورة ملحة.

لجنة جائزة نوبل:
لا يمكننا أن نحقق الديمقراطية والسلام الدائم في العالم إذا لم تحصل النساء على فرصة تساوي تلك الممنوحة للرجال في التأثير في التطورات على كافة الأصعدة الاجتماعية
وقالت لجنة نوبل في كلمتها "لا يمكننا أن نحقق الديمقراطية والسلام الدائم في العالم إذا لم تحصل النساء على فرصة تساوي تلك الممنوحة للرجال في التأثير في التطورات على كافة الأصعدة الاجتماعية".

بدت السيدة كرمان مصدومة بالجائزة وهي تجلس محاطة بالمعجبين في الخيمة الزرقاء المهترئة التي عاشت فيها منذ اندلاع الاحتجاجات (في اليمن) قبل تسعة أشهر.

توقع الكثيرون أن تذهب الجائزة إلى أحد وجوه ثورتي تونس ومصر اللتان أسقطتا زعيمين متسلطين. لكن الثورة في اليمن بعيدة عن النهاية، وهناك مخاوف لدى الكثيرين من تحولها إلى حرب أهلية.

ورغم كل نشاطها تبقى كرمان شخصية مثيرة للجدل في بلدها اليمن، حيث هي عضو بارز في التجمع الوطني للإصلاح الإسلامي.

لهذه الأسباب اعتبر اختيار لجنة نوبل -التي تتخذ من أوسلو مقرا لها- تعبيرا عن الأمل في المستقبل -الذي اعتبره بعض المراقبين أحلام يقظة- أكثر منه تكريما لما مضى من النضال. وهو أمر مشابه لظروف منح جائزة نوبل للسلام للرئيس الأميركي باراك أوباما عام 2009. ففي كلتا الحالتين بدت لجنة نوبل تميل نحو تجسيد الأمل وتلمس الإمكانات لتحقيق الإنجازات في المستقبل ودفع الأحداث نحو الاتجاه المرغوب به.

الأمل
نسرين مالك الكاتبة المتخصصة في الشؤون العربية، وتنشر غالب أعمالها في صحيفة غارديان البريطانية، تقول "قد يكون من الفظاظة بمكان القول بأن الأمر يبدو غير ناضج لأنها بدأت نشاطها منذ سنين قليلة فقط، لكن هناك عامل الأمل ومنطق "نحن يملؤنا الأمل" أكثر من رصيد الإنجازات السابقة".

لكن اختيار كرمان لجائزة نوبل رأى فيه الكثيرون في المنطقة العربية احتضانا للثورات التي انطلقت في المنطقة وهزت عروش حكام أقوياء وأعطت صوتا قويا للمستضعفين. السيدة كرمان أوضحت رأيها في ذلك الاتجاه بوضوح، وقالت "هذا انتصار للعرب في كل أنحاء العالم. وسينهي دكتاتورية (الرئيس اليمني) علي عبد الله صالح".

رفاق كرمان تجمعوا حولها وهم يصيحون "الله أكبر، هذه أكبر جائزة في العالم".

والملفت في الأمر أن الحكومة اليمنية التي طالما اعتبرت كرمان شخصية هامشية، أرسلت بتهانيها إليها بالمناسبة.

ورغم الاعتراف الواسع النطاق بشجاعة كرمان ودورها الريادي في قيادة الثورة اليمنية -حتى أصبحت تعرف بأم الثورة- إلا أن الكثير من المحتجين اليمنيين المستقلين يتذمرون من هيمنة حزب الإصلاح الإسلامي على الثورة، ودور كرمان في ذلك. كما يرى البعض أنها تلعب دورا سلطويا وأنانيا في الثورة، وقد خبا نجمها في الفترة السابقة نتيجة تلك النظرة.

توكل كرمان:
أكثر من ألهمني هو مارتن لوثر كنغ، لأنه سعى إلى التغيير السلمي، كما ألهمني غاندي ونيلسون مانديلا، لكن في الحقيقة أكثر من أثر فيّ هو مارتن لوثر كنغ. نحن نسعى إلى التغيير مستخدمين الأساليب نفسها التي استخدمها
لكن دور السيدة كرمان حيوي في الوضع في اليمن في الوقت الراهن، حيث تجسد مثالا واضحا عن الوضع المعقد للإسلام السياسي والحركات الإسلامية، التي غالبا ما ينظر إليها في الغرب على أنها تهديد محتمل قد يظهر إلى السطح نتيجة الوضع الجديد الذي أنتجه الربيع العربي.

السيدة كرمان اصطدمت مرات عديدة بقيادات حزب الإصلاح، لكنها لم تترك الحزب كما فعل البعض، بل صمدت وحاولت إعادة تشكيله وتوجيهه نحو مسار أكثر انفتاحا وتسامحا. وساعدها في ذلك وجود والدها وعمها في صفوف قيادات الحزب المتقدمة.

نساء مثل السيدة كرمان لعبن دورا مهما في الربيع العربي في بلدان عربية أخرى، ولكن دورهن أفل وخبى. ويأمل أن تلعب السيدة كرمان ورفيقاتها في البلدان الأخرى دورا في كسب حقوق اجتماعية وسياسية أوسع.

جرأة بالنقد
وتتميز السيدة كرمان بزخمها عندما تتكلم في القضايا التي تؤمن بها، وتبدو واثقة من نفسها عندما تتكلم في أمور السياسة مع الرجال كما مع النساء، كما تتمتع بجرأة في نقد الرئيس اليمني علي عبد الله صالح بشكل مباشر.

ولم تفلح محاولات الحكومة في تصويرها على أنها خائنة في حجب الاهتمام الإعلامي عنها، حتى أصبح وجهها مألوفا على شاشات التلفزيون وصفحات الجرائد.

في الشهور الماضية، استلمت العديد من التهديدات بالقتل، حتى لم تعد تتمكن من زيارة منزلها إلا متنكرة. لكن بعد إعلان جائزة نوبل، حتى الحكومة انضمت إلى جوقة المحتفلين، ونشر موقع حكومي على الانترنت تهنئة لها.

بدأت السيدة كرمان نشاطها عام 2007 عندما نفذت اعتصاما أمام مبنيي البرلمان ورئاسة الوزراء، مطالبة بحرية صحفية أوسع ومعاملة إنسانية أكثر كرامة للمجموعات المستضعفة.

اعتراف وطني
لكنها لم تحصل على اعتراف وطني إلا عندما نزلت إلى الشارع في يناير/كانون الثاني الماضي مع عشرات آخرين مطالبين باستقالة صالح. ألقي القبض عليها، ونزل جموع لا يستهان بها إلى الشارع تستنكر القبض عليها، وهو الأمر الذي يعتبره المراقبون الشرارة التي أشعلت الانتفاضة في اليمن.



تقول كرمان: "أكثر من ألهمني هو مارتن لوثر كنغ، لأنه سعى إلى التغيير السلمي. كما ألهمني غاندي ونيلسون مانديلا، لكن في الحقيقة أكثر من أثر فيّ هو مارتن لوثر كنغ. نحن نسعى إلى التغيير مستخدمين الأساليب نفسها التي استخدمها".

المصدر : نيويورك تايمز