حركة "احتلو وول ستريت" ألهمت آلاف المحتجين عبر العالم (رويترز-أرشيف)

من سياتل حتى سيدني، اندفع مئات آلاف المحتجين إلى الشوارع، وسواء كانت احتجاجاتهم مستلهمة من حركة "احتلوا وول ستريت" في نيويورك، أو حركة "إنديغناتوس" في مدريد، فإن ما يجمعهم هو السخط على تردي الأوضاع الاقتصادية وتحميل الفقراء أوزار كبار المصرفيين، والتبرم من الرأسمالية في بعض الحالات.

بهذه المقدمة بدأ مقال نشرته صحيفة ذي إيكونومست، رأى كاتبه أن الساسة الغربيين والليبراليين الاقتصاديين كان من السهل عليهم أن يصفوا الغاضبين بأنهم أصوات شاذة.

وضرب الكاتب مثالا بأن أكبر الاحتجاجات التي جرت في سياتل عام 1999 ضد منظمة التجارة العالمية، بدت عبثية بلا هدف مقنع، ولو كان لها هدف لبدت حركة أنانية ومحاولة لإفقار العالم النامي بالحمائية التجارية.

وذهب صاحب المقال إلى أن هذه المرة أيضا ظهرت بعض الملامح الغريبة على هذه الاحتجاجات، مثل النزوع نحو العنف لدى بعض المحتجين، والتباين في المطالب والأهداف من جماعة إلى أخرى ومن بلد إلى آخر.

لكن كره رجال المال والمصارف الذين تسببوا في الأزمة الاقتصادية العالمية هو القاسم المشترك بين هذه الجماعات، كما يرى الكاتب.

وحتى لو كانت الاحتجاجات صغيرة نسبيا ومتخبطة، فمن الخطورة بمكان محاولة التقليل من حجم وعمق الغضب في الغرب، فهناك مظالم حقيقية وشرعية، والشباب -الغاضب في الشوارع والبيوت- تنتظرهم ظروف اجتماعية واقتصادية أكثر قسوة، بسبب ارتفاع معدلات الضريبة وتناقص مزايا دولة الرفاه، فضلا عن ارتفاع أسعار المنازل وندرة الوظائف، ليس فقط في الصناعات الإنتاجية التقليدية، بل حتى في قطاع الخدمات الذي كان دائما ملاذ الخريجين الجدد المثقلين بالديون.

ففي الولايات المتحدة أكثر من 17% ممن هم أقل من 25 عاما دون عمل، في حين تبلغ نسبة البطالة بين الشباب في دول الاتحاد الأوروبي نحو 21%. في إسبانيا مثلا، تبلغ هذه النسبة 46%، وهي لا تقل عن 10% إلا في بضع دول منها ألمانيا وهولندا والنمسا.

ليس الشباب فقط من يشعرون بضغوط الاقتصاد، فمن هم في منتصف العمر يعانون من تراجع الأجور وامتيازات التقاعد، في حين يشكو المتقاعدون من تآكل قيمة مدخراتهم بفعل التضخم. ففي بريطانيا على سبيل المثال تشهد الأسعار ارتفاعا بنسبة 5.2%، بينما لا تزيد العائدات المصرفية على مدخراتهم عن 1%، وفي المقابل عاد المصرفيون يحصدون مكافآتهم كالسابق.

الغضب الشعبوي -خاصة إذا لم تكن لديه أجندة متجانسة- يمكن أن يذهب بأي اتجاه في أوقات الشدة، وعقد الثلاثينيات الماضي قدم مثالا هو الأكثر خطورة

تاريخ وبؤس واحتجاج
بالنسبة لرجل الشارع، كل هذه الأشياء أعراض نظام فاشل، وليس هناك نموذج غربي واحد يحظى بمصداقية سياسية كبيرة في الوقت الراهن.

فالديمقراطية الاجتماعية الأوروبية وعدت الناخبين بمنافع لم ترها المجتمعات، والنموذج الأنغلوسكسوني الذي ظل يدعي أن الأسواق الحرة تجلب الازدهار، لم يجن الناخبون منه سوى فقاعات واقتصاد ركّب كي يخدم نخبة مالية حازت كل المنافع في أوقات الرخاء، وتركت للبقية خيار إنقاذ تلك النخبة في لحظات العسرة. ولهذا رفع المحتجون شعار "1% اغتنت على حساب 99%".

وكلما كانت المظالم أكثر شرعية وأكثر اتساعا من موجات الغضب السابقة ضد "الآلة"، كانت المخاطر أعظم. الغضب الشعبوي -خاصة إذا لم تكن لديه أجندة متجانسة- يمكن أن يذهب بأي اتجاه في أوقات الشدة، وعقد الثلاثينيات الماضي قدم مثالا هو الأكثر خطورة.

والنموذج الأحدث -لكن الأقل خطورة- هو حركة "حفلة الشاي"، والغضب المبرر الذي يعتمل في نفوس الطبقات الأميركية الوسطى ضد الدولة المتراخية، تجسد في الواقع على شكل "عدمية هدامة"، فكل ما له علاقة بالضرائب لن يمر، بما في ذلك الإصلاح الضريبي.

وما يثير القلق أن الساسة في حالة خوف، فالجمهوريون أدانوا في البداية سلوك ومطالب حركة "احتلوا وول ستريت"، ثم ما لبثوا أن احتضنوها. وفي عموم أوروبا، تجازف الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية بخسارة الانتخابات لو ابتعدت كثيرا عن الوسط، لكن قيادات مثل إد ميليباند في بريطانيا، وفرانسوا هولاند في فرنسا، ما زالوا يطربون للانتقادات المناوئة لرجال المصارف.

الخطر الأكبر أن تتحول الانتقادات الشرعية الموجهة للسياسات المالية إلى هجوم غير منضبط على منظومة العولمة برمتها

السبب والأعراض
الساسة الأكثر شجاعة يركزون على شيئين: أولهما معالجة أسباب الغضب بسرعة، والمسارعة لإطلاق عجلة الاقتصاد، وحل أزمة اليورو قد يكون بداية موفقة.

وبصورة عامة يمكن التركيز على السياسات المحفزة للاقتصاد، وترشيد التقشف مقابل رفع سن التقاعد، والتأكد من أن الأغنياء يدفعون حصتهم بطريقة يكون لها مردود اقتصادي، وتعزيز العائدات الضريبية من الأغنياء عبر سد ثغرات القانون الضريبي مع خفض معدلات الفائدة، وإصلاح الجوانب المالية بحيث تقلص مكافآت كبار موظفي المصارف.

الثاني، قول الحقيقة خاصة في الأخطاء التي وقعت. والخطر الأكبر أن تتحول الانتقادات الشرعية الموجهة للسياسات المالية إلى هجوم غير منضبط على منظومة العولمة برمتها.

وهنا يجدر بنا أن نتذكر أن مركز الأزمة المالية عام 2008 كانت العقارات الأميركية وليس السوق الحر، ورغم كل أخطاء رجال المصارف فإن الثغرة الكبرى في الأوضاع المالية للحكومات الغربية لم تنجم عن خطط الإنقاذ المصرفي بقدر ما كانت نتائج إسراف الساسة في الإنفاق في ساعات الرخاء ووعودهم الجوفاء بتحسين قوانين التقاعد والرعاية الصحية.

تكامل الاقتصاد الدولي له كلفته، والضغوط على الغربيين -سواء كانوا عمالا مهرة أم غير ذلك- ستزيد. والحكومات الغربية خذلت مواطنيها، ووضع مزيد من القيود على حركة البضائع والأفكار ورؤوس الأموال والبشر سيكون خطأ أكبر. أما صرخات المحتجين الغاضبين من تردي الأوضاع الاقتصادية فليست سوى بداية المعركة.

المصدر : إيكونوميست