دول كثيرة وقعت ضحية هذا النوع من الغرور وانتهت نهاية كارثية (الفرنسية-أرشيف)

تروق للأميركيين فكرة أن الولايات المتحدة تملك "فرادة" واستثنائية بين العالمين، لكنها للأسف فكرة زائفة.

ستيفن وولت *

الأسطورة الخامسة "إن الله معنا":
أحد العناصر الراسخة التي تقوم عليها فكرة "الفرادة الأميركية" هو اعتقاد الأميركيين بأن الله أودع في عنق الولايات المتحدة مهمة ربانية لقيادة العالم.

ذات مرة خاطب الرئيس الأميركي السابق رونالد ريغان الجماهير قائلا إن هناك "مهمة ربانية ما" أوكلت بأميركا، وقد استشهد يوما بمقولة منسوبة للبابا بيوس الثاني عشر "لقد وضع الله في يدي أميركا مصير البشرية المنكوبة".

الثقة قيمة عظيمة لأية بلد، لكن عندما تعتقد أمة من الأمم أنها تتمتع "بولاية ربانية"، ويسكن في روعها يقين بأنها لن تفشل أو تضل، فإن الواقع سيعاجلها بما يعيد الرشد إليها

وردد الرئيس السابق جورج بوش مقولة مماثلة عام 2004 حينما قال "تلقينا نداء من السماء بأن ندافع عن الحرية"، ونفس الرأي منسوب إلى أوتو فون بسمارك- وإن بشكل أقل تهذيبا- قال فيه "الله يمنح عناية خاصة للمجانين والسكارى والولايات المتحدة".

الثقة قيمة عظيمة لأية بلد، لكن عندما تعتقد أمة من الأمم أنها تتمتع "بولاية ربانية"، ويسكن في روعها يقين بأنها لن تفشل أو تضل، فإن الواقع سيعاجلها بما يعيد الرشد إليها.

دول كثيرة -أثينا القديمة وفرنسا النابليونية واليابان الإمبراطورية- وقعت ضحية هذا النوع من الغرور وانتهت نهاية كارثية.

ومع أن في سجل أميركا نجاحات كثيرة، فإنها ليست في مأمن من النكسات والسقطات والأخطاء القاتلة، وإذا كانت لديك أية شكوك في ذلك، فتأمل كيف خسرت الولايات المتحدة مكانتها المميزة مع مطلع القرن الحادي والعشرين بسبب سياساتها الاقتصادية الرعناء والحروب الطائشة والانهيار المالي غالبا بفعل الجشع والفساد.

وبدلا من أن يفترض الأميركيون أن الله يقف إلى جانبهم، كان عليهم ربما تأمل مقولة أبراهام لنكولن التي شدد فيها على أن "ما ينبغي أن يقلقنا هو ما إذا كنا في جانب الله".

وفي ظل التحديات الكثيرة التي تواجه الأميركيين اليوم من بطالة مزمنة وعبء حربين طاحنتين، فمن غير المستغرب أنهم يحسون بالرضا والطمأنينة تجاه فكرة "الفرادة"، وأن قادتهم السياسيين المزهوين يكررون ادعاء هذه "الفرادة" بحماسة متعاظمة.

الإحساس بالفخر الوطني له فوائده، لكنه ليس كذلك حينما يقود إلى سوء فهم أساسي لدور أميركا في العالم، هنا بالضبط تقع الأخطاء في صناعة القرار.

 تصرفت أميركا رغم سياساتها المختلفة مثل بقية الدول، واضعة مصالحها الذاتية أولا وقبل كل شيء، ساعية لتحسين موقعها على الدوام دون التفات إلى مدى واقعية هذه الأهداف

تملك أميركا خصائص فريدة مثلها مثل جميع البلدان، لكنها تعيش في نظام كوني تنافسي، أميركا أكثر قوة من غيرها بكثير وأعظم ثراء من معظمها، وموقعها الجيوسياسي متميز بصورة كبيرة، وهذه الخصائص تعطي الولايات المتحدة هامشا واسعا من الخيارات في إدارة سياستها الخارجية، لكنها لا تضمن أن خياراتها دائما صحيحة.

وبعيدا عن كون الولايات المتحدة دولة فريدة تمارس سياسات تختلف جذريا عن سياسات غيرها من القوى العظمى، فقد تصرفت مثل بقية الدول، واضعة مصالحها الذاتية أولا وقبل كل شيء، ساعية لتحسين موقعها على الدوام دون التفات إلى مدى واقعية هذه الأهداف، ومع ذلك وكبقية القوى العظمى السابقة، لقد أقنعت الولايات المتحدة نفسها بأنها مختلفة وأفضل من دول أخرى.

السياسة الدولية كالرياضات التنافسية تجد فيها الدول (حتى القوية منها) مضطرة للتنازل عن مبادئها السياسية من أجل الأمن والازدهار، والوطنية أيضا قوة عظيمة تنزع لإبراز فضائل المجتمع والتغاضي عن جوانب حياته الأقل إشراقا.

لكن إذا ما أراد الأميركيون أن يكونوا متفردين حقا، فعليهم أن يبدؤوا في النظر إلى فكرة "الفرادة" بعين أقل اندفاعا وأكثر تشككا.

----------------
* أستاذ العلوم السياسية بجامعة هارفارد الأميركية

المصدر : فورين بوليسي