قد يظن الأميركيون وهم يشاهدون فيلم "باتون" أن بلادهم لعبت الدور الرئيسي
في هزيمة ألمانيا النازية (الأوروبية-أرشيف)

يروق للأميركيين فكرة أن الولايات المتحدة تملك تفردا واستثنائية بين العالمين، لكنها للأسف فكرة زائفة
.

ستيفن وولت *

الأسطورة الرابعة: "العالم مدين لأميركا في معظم ما أصابه من خير"

الأميركيون مغرمون بنسبة فضل التطورات الدولية الإيجابية إلى أنفسهم، فالرئيس السابق بيل كلينتون كان يعتقد بأن الولايات المتحدة أمة "لا غنى عنها في إقامة علاقات سياسية مستقرة"، وأستاذ العلوم السياسية بجامعة هارفارد الأميركية الراحل صامويل هنتنغتن لطالما ردد أن تفوق الولايات المتحدة ركيزة أساسية "في مستقبل الحرية والديمقراطية والنظام الاقتصادي المفتوح، والنظام الدولي في العالم برمته".

بل إن الصحفي المعروف مايكل هيرش ذهب إلى أبعد من ذلك حينما قال في كتابه "في حرب مع أنفسنا" إن دور أميركا في العالم "أعظم هدية تلقاها العالم في الكثير من القرون، بل طيلة تاريخ البشرية".

أعمال عملية كثيرة مثل "البعثة الأميركية" لتوني سميث، و"سفينة الليبرالية" لجون أيكنبيري، تؤكد على إسهام أميركا في نشر الديمقراطية والترويج للنظام الدولي الحر المفترض.

وبالنظر إلى كل هذا الإعجاب بالنفس، فلا غرابة أن يرى معظم الأميركيين بلدهم قوة ذات تأثير إيجابي طاغ على المسرح الدولي.

مرة أخرى، ثمة قدر غير يسير من الصحة في هذه المقولة، لكن ليس بالقدر الذي يجعلها دقيقة بالكامل. لا شك أن الولايات المتحدة قدمت إسهامات لا يمكن إنكارها لتحقيق السلام والاستقرار في العالم خلال القرن الماضي، بما في ذلك خطة مارشال، وإنشاء وإدارة نظام بريتون وودز، ودعمها المعنوي للمبادئ الأساسية للديمقراطية وحقوق الإنسان، ووجودها العسكري في أوروبا والشرق الأقصى لحفظ الاستقرار هناك.

لكن القول إن ما تعيشه البشرية من خير هو بفضل حكمة واشنطن، يجافي الحقيقة مجافاة عظيمة.

قد يظن الأميركيون وهم يشاهدون فيلم "سيفينغ برايفيت رايان" أو فيلم "باتون" أن الولايات المتحدة لعبت الدور الرئيسي في هزيمة ألمانيا النازية، لكن الحقيقة أن معظم القتال كان يجري في أوروبا الشرقية وأن الاتحاد السوفياتي تحمل العبء الأكبر في هزيمة آلة هتلر العسكرية.

 القول إن ما تعيشه البشرية من خير هو بفضل حكمة واشنطن، يجافي الحقيقة مجافاة عظيمة
وكذلك الأمر بالنسبة لنجاحات أوروبا عقب الحرب العالمية الثانية، صحيح أن خطة مارشال والناتو لعبا دورا مهما فيها، لكن الأوروبيين لهم فضل مماثل أو أكبر في بناء اقتصاداتهم، وإنشاء نظام سياسي واقتصادي جديد، وتجاوز أربعة قرون من التنافس المرير فيما بينهم.

يميل الأميركيون أيضا إلى الاعتقاد بأنهم كسبوا الحرب الباردة لوحدهم، ويتجاهلون إسهامات ودور خصوم النظام السوفياتي السابق، كما يتجاهلون أن تضحيات المنشقين عن الاتحاد السوفياتي ومقاومتهم للحكم الشيوعي أسهمت بصورة كبيرة في تمهيد الطريق أمام "الثورات المخملية" عام 1989.

وعلاوة على ما تقدم، وكما أشار غودفري هودجسون في كتابه "أسطورة الاستثنائية الأميركية"، فإن انتشار المثل الليبرالية ظاهرة عالمية جذورها ترجع إلى عصر التنوير، وأن فلاسفة أوروبا وزعماءها السياسيين قدموا الكثير لدفع المثل الديمقراطية إلى الأمام.

والشيء نفسه أيضا بالنسبة لإلغاء الرق وتحسين وضع المرأة، فالفضل في ذلك يعود إلى بريطانيا وغيرها من الديمقراطيات أكثر مما يعود إلى الولايات المتحدة التي تخلفت في هذين المجالين وراء العديد من البلدان الأخرى. كما لا يمكن للولايات المتحدة أن تدعي اليوم أنها رائدة العالم في الدفاع عن حقوق المثليين أو العدالة الجنائية أو المساواة الاقتصادية، فقد تقدمتها أوروبا في هاتين القضيتين.

وأخيرا، فإنه يتوجب على كل منصف أن يقر بأن تفوق الولايات المتحدة قد تراجع خلال نصف القرن الماضي، فطيلة المائة عام الماضية كانت الولايات المتحدة أكبر منتج للغازات المسببة للاحتباس الحراري، وبالتالي فهي السبب الرئيسي في التغيرات السلبية التي لحقت بالبيئة العالمية.

لقد وقفت الولايات المتحدة على الجانب الخطأ خلال سنوات الكفاح الطويل والمرير ضد نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، وساندت الكثير من الأنظمة الدكتاتورية المستبدة بما في ذلك نظام صدام حسين، وذلك لاعتبارات إستراتيجية مصلحية قصيرة الأجل.

قد تشعر الولايات المتحدة بالفخر -وهي محقة في ذلك- لدورها في إنشاء دولة إسرائيل والدفاع عنها.. لكنها انتهجت سياسات ذات نظرة أحادية فأخرت قيام الدولة الفلسطينية وتسببت في إطالة عمر الاحتلال الإسرائيلي البغيض
قد تشعر الولايات المتحدة بالفخر -وهي محقة في ذلك- لدورها في إنشاء دولة إسرائيل والدفاع عنها وفي الوقوف في وجه معاداة السامية عالميا، لكنها انتهجت سياسات ذات نظرة أحادية فأخرت قيام الدولة الفلسطينية وتسببت في إطالة عمر الاحتلال الإسرائيلي البغيض.

باختصار، يدعي الأميركيون كثيرا من الفضل في المنجزات العالمية ويقبلون الحد الأدنى من الملامة حيال كثير من القضايا التي كانت سياسات الولايات المتحدة تجاهها ذات نتائج عكسية. الأميركيون يغمضون أعينهم عن نقاط ضعفهم ويصمون آذانهم عن سماع ملامة الآخرين لهم في تسبب بعض المشكلات العالمية.

هل تذكرون عندما قال مسؤولو البنتاغون إن القوات الأميركية ستستقبل في بغداد بالزهور والمسيرات؟ نعم لقد استقبلوا بقاذفات آر.بي.جي والعبوات الناسفة بدلا من ذلك.

يتبع...

الحلقة الأولى من أسطورة الفرادة الأميركية

الحلقة الثانية من أسطورة الفرادة الأميركية

الحلقة الثالثة من أسطورة الفرادة الأميركية

_____________________________________
* أستاذ العلوم السياسية بجامعة هارفارد الأميركية

المصدر : فورين بوليسي