زكريا: أوروبا تعاني أزمة نمو في الاقتصاد (الجزيرة)

خلص الكاتب الأميركي فريد زكريا مؤلف كتاب "عالم ما بعد أميركا"، إلى أن القارة الأوروبية تواجه أزمة اقتصادية تتمثل في انعدام النمو الاقتصادي، لن تنجو منها إذا لم تقم بتطبيق إصلاحات جذرية وعميقة. جاء ذلك في مقال نشرته صحيفة واشنطن بوست، وهذا نصه:

تواجه أوروبا أخطر تحد لها منذ عام 1945، وإذا ما وجدت أوروبا نفسها أمام أزمة إيطالية شبيهة بأزمة اليونان، فإن المنظومة الشاملة بمستوياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي أسسها قادة أوروبا عقب الحرب العالمية الثانية ستنهار.

اليوم أدرك قادة أوروبا أن إستراتيجية الحلول الترقيعية للخروج من عنق الأزمة لم تجد نفعا. على أي حال لن يكون الحل المطروح أو المنتظر حلا دراماتيكيا (فأوروبا أضعف من أن تأتي بهذا)، بل سلسلة إجراءات تتجمع لتبدو خطة أكثر شمولية. ومع ذلك فإن ما يطرح من حلول لن تعالج مشكلة أوروبا الأساسية: انعدام النمو الاقتصادي.

ولعل من المفارقات التاريخية أن أزمة اليورو توجت ألمانيا على عرش أوروبا، في وقت كانت فيه غاية فرنسا من إقناع دول القارة لإنشاء اليورو هي تقويض نفوذ ألمانيا وعملتها المارك، بوصفه عنوان القوة السياسية والاقتصادية لبرلين.

ميركل واجهت انتقادات لفشلها في إصدار سندات باليورو تمكن ألمانيا من ضمان ديون منطقة اليورو (رويترز)
أقوى اقتصاد
غير أن الحقائق الاقتصادية أثبتت أنها أقوى من الهياكل التنظيمية، فألمانيا اليوم هي صاحبة أقوى اقتصاد في أوروبا وتتمتع بوضع مالي ممتاز، وهو ما جعل منها الدولة الوحيدة في القارة القادرة على إصدار "شيكات" وضمانات تثق بها الأسواق.

المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل واجهت انتقادات من أطراف كثيرة لفشلها في تبني حل "ثوري" من قبيل إصدار سندات باليورو تجعل من ألمانيا ضامنا لديون جميع دول منطقة اليورو.

لكن حلا كهذا سيمكن دولا مثل اليونان وإسبانيا من الاقتراض مجددا بمعدل الفائدة الألمانية (وهي معدلات منخفضة غير مؤهلة لها)، وهو ما يعني انعدام ما يحفز أو يجبر هذه الأقطار على خفض العجز في ميزانياتها وتطبيق إصلاحات ضرورية لحفز النمو.

الأسبوع الماضي، لاح لألمانيا السيناريو الكابوس: سلطت الأسواق أضواءها وأنظارها على إيطاليا وارتفعت كلفة ديونها. تدخل البنك المركزي الأوروبي فاشترى سندات إيطالية وخفض أسعار الفائدة بما يمكن روما من الاقتراض.

وما أن استقرت الأوضاع، حتى تراجعت شهية وحماسة رئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو برلسكوني لتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية المطلوبة.

المسؤولون الألمان عازمون على ألا ينتهي بهم المطاف في وضع يمكن اليونان وإيطاليا وإسبانيا وبقية الدول المأزومة من التنصل من متطلبات إعادة هيكلة ميزانياتها، لأن من شأن ذلك أن يضمن استمرار الأزمة، ويجعل فاتورة الإنقاذ المقبلة أكبر بكثير.

أوروبا تواجه اليوم مشكلتين: الأولى أن بعض حكوماتها مثقلة بديون كبيرة، والثانية أن هذه الديون تملكها مصارف أوروبية رئيسية، وهو ما يرتب عليها مخاطر عظيمة لأن المستثمرين يدركون كمية وحجم الديون التي تنوء بها
مشكلتان
تواجه أوروبا اليوم مشكلتين: الأولى أن بعض حكوماتها مثقلة بديون كبيرة، والثانية أن هذه الديون تملكها مصارف أوروبية رئيسية وهو ما يرتب عليها مخاطر عظيمة لأن المستثمرين يدركون كمية وحجم الديون التي تنوء بها.

وسيتعين على هذه المصارف أن توفر أمولا جديدة لتغطية هذه الديون. بالنسبة لليونان، لا مناص من إشهار إفلاسها بصورة ما، دون تسميه الأمر باسمه.

ومع ذلك فأزمة أوروبا في نهاية المطاف هي مشكلة نمو، المشكلة ليست أن اليونان غير راغبة في تقديم تضحيات، فقد قدمت من التضحيات الكثير، لكن أرقام الميزانية اليونانية ترسم صورة قاتمة لأن توقعات نمو اقتصادها قاتمة.

يجب على اليونان أن تواجه السؤال الأكبر المتعلق بقدرتها التنافسية. ماذا بوسع اقتصادها أن يفعل كي يستقطب الأموال والاستثمارات؟ وماذا عن الأجور؟

هذه أسئلة يتعين على معظم الدول الأوروبية الإجابة عليها بصورة كاملة وواضحة من أجل حل مشكلاتها. اقتصاد إيطاليا لم يحقق أي نمو طيلة عقد كامل، وهيكلة ديونها لن تجدي نفعا إذا ما ظل اقتصادها راكدا لعقد آخر.

ألمانيا نفسها غير محصنة في ظل نمو اقتصادي لا يتجاوز 1.5%، وهي تدرك أنه في ظل تناقص أعداد سكانها، فلن يزيد معدل النمو السنوي الذي سيحققه اقتصادها في غضون خمس أو سبع سنوات عن 1%. وهذه نسبة لا تليق بدولة توصف بأنها محرك الاقتصاد الأوروبي.

أوروبا بحاجة إلى أجندة أزمة كي تخرج من الحفرة، وأكثر من ذلك بحاجة إلى أجندة نمو تقوم على تطبيق إصلاحات جذرية وعميقة. الحقيقة المرة هي أن الاقتصادات الغربية (حيث الأجور مرتفعة، والإعانات كبيرة، والنظم الضريبية معقدة) مصابة بحالة من التكلس والتصلب.

وهي اليوم تواجه ضغوطا من ثلاث جبهات: الديموغرافيا (شيخوخة سكانها)، التكنولوجيا (التي مكنت الشركات من الإنتاج بكميات أكبر باستخدام موظفين أقل)، والعولمة (التي سمحت لشركات الإنتاج والخدمات باختيار المكان الأنسب لها).

إذا لم تستطع أوروبا -ومن ورائها الولايات المتحدة وللأسباب ذاتها- التأقلم مع هذه المتغيرات الجديدة، فإنها إن نجت من هذه العاصفة فستلج في عين عاصفة أخرى.

المصدر : واشنطن بوست