سوروس: مطلوب إقامة مصدات لمنع انتقال عدوى الإفلاس في أوروبا (رويترز-أرشيف)


بقلم: جورج سوروس

سلوك أسواق المال يدفع العالم باتجاه ركود عظيم آخر، بعدما فقدت السلطات المعنية خاصة في أوروبا السيطرة على الأمر. عليها استعادة السيطرة المفقودة، وعليها فعل ذلك الآن. وللقيام بهذه المهمة يجب عليها اتخاذ ثلاث خطوات جريئة.

أولا، يجب على حكومات منطقة اليورو الاتفاق من حيث المبدأ على إنشاء خزينة (وزارة مالية) مشتركة لمنطقة اليورو.

ثانيا، يجب في الوقت ذاته وضع المصارف الرئيسية تحت إشراف البنك المركزي الأوروبي مقابل توفير ضمانات مؤقتة ورؤوس أموال دائمة لها، والسماح لها بالحفاظ على التزاماتها من خطوط ائتمان وقروض، بشرط فرض رقابة حثيثة عليها لتجنب المخاطر التي تحيط بحساباتها.

ثالثا، يسمح البنك المركزي لدول منطقة اليورو خاصة إيطاليا وإسبانيا بتمويل نفسها مؤقتا ضمن حدود معينة وبكلفة منخفضة.

هذه الخطوات ستهدئ من "روع" الأسواق وتمنح أوروبا وقتا لتطوير "إستراتيجية نمو" وبدون ذلك ستظل مشكلة الديون قائمة دون حل.

المهمة العاجلة تتمثل في نصب "مصدات" لمنع انتقال عدوى الإفلاس إلى دول أخرى إذا ما تخلفت اليونان عن سداد ديونها. هناك مجموعتان ضعيفتان بحاجة إلى حماية: المصارف وسندات الدول الهشة كإيطاليا وإسبانيا.

اللجوء للخزينة
هذه المهمة يمكن تنفيذها على النحو التالي، وعلى هذا النحو فقط ستعمل: نظرا لأن تأسيس خزينة مشتركة لمنطقة اليورو سيستغرق وقتا طويلا، وسيتعين على الدول الأعضاء اللجوء إلى البنك المركزي الأوروبي لملء الفراغ. وبما أن برنامج الاستقرار المالي الأوروبي لا يزال قيد الإعداد، تصبح الخزينة المقترحة مصدرا للتمويل على أن تترك طريقة صرف الأموال للدول الأعضاء.

سيستخدم برنامج الاستقرار المالي الأوروبي أساسا بوصفه ضامنا ومصدر "رسملة" للمصارف، وسيتعين على المصارف الرئيسية التعهد أمام برنامج الاستقرار المالي الأوروبي بالالتزام بتعليمات البنك المركزي الأوروبي
لكن ذلك قد يتطلب إنشاء وكالة حكومية جديدة للتنسيق بين برنامج الاستقرار المالي الأوروبي والبنك المركزي الأوروبي. وهو ما قد يتطلب موافقة البرلمان الألماني وبرلمانات دول أخرى.

سيستخدم برنامج الاستقرار المالي الأوروبي أساسا ضامنًا ومصدر "رسملة" للمصارف، وسيتعين على المصارف الرئيسية التعهد أمام برنامج الاستقرار المالي الأوروبي بالالتزام بتعليمات البنك المركزي الأوروبي ما دامت تتمتع بضمانات البرنامج. وتحرم من هذه الضمانات المصارف التي ترفض الالتزام بتلك التعليمات.

ثم يصدر البنك المركزي الأوروبي تعليمات للمصارف بالحفاظ على خطوط الائتمان والمحافظ الائتمانية الخاصة بها، مع فرض رقابة حثيثة على المخاطر التي تحيط بحساباتها. هذه الترتيبات يمكن أن تضع حدا لحمى التخلص من الديون التي تمثل أحد أسباب الأزمة. وإذا ما تم توفير رؤوس الأموال فقد ينتفي الباعث على التخلص من عبء الديون.

ولتخفيف الضغط على السندات الحكومية لدولة كإيطاليا، يمكن للبنك المركزي الأوروبي أن يعمد إلى خفض معدل الخصم، وهو ما سيشجع الدول على تمويل نفسها بالكامل من خلال إصدار سندات خزينة كما سيشجع المصارف على شراء هذه السندات.

 ثم يمكن للمصارف أن تعرض خصما على هذه السندات بالتنسيق مع البنك المركزي الأوروبي، شريطة أن لا تقوم بذلك ما دامت عائداتها على السندات أفضل من عائداتها على النقد. بهذه الطريقة تستطيع إيطاليا ودول أخرى الحصول على تمويل بكلفة 1% سنويا خلال فترة الطوارئ هذه، وفي الوقت نفسه تظل منضبطة كي لا تخسر هذه الميزة إذا ما تجاوزت الحدود المتفق عليها. وحينئذ لن يشتري البنك المركزي ولا برنامج الاستقرار المالي الأوروبي أية سندات من السوق.

هذه الإجراءات ستسمح لليونان بأن تتخلف عن سداد ديونها دون التسبب في انهيار مالي عالمي، هذا لا يعني أن اليونان ستجبر على إعلان الإفلاس. فإذا ما وفت بالشروط، فإن برنامج الاستقرار المالي الأوروبي قد يعمد إلى القيام "بهيكلة طوعية" بشطب ديونه المستحقة عليها بواقع 50 سنتا لكل يورو.

"رسملة" المصارف
ومع ذلك سيظل لدى برنامج الاستقرار المالي الأوروبي فائض من المال يكفي لضمان هذه المصارف وتوفير رؤوس الأموال لها. وحينئذ سيكون الأمر متروكا لصندوق النقد الدولي إذا ما أراد "رسملة" المصارف أو لم يردها، كما سيكون أداء اليونان منوطا باليونانيين أنفسهم.

صحيح أن أي مقترح قد ينجح في تهدئة الأزمة مؤقتا، لكن أي خيبة أمل قد تدفع بالأسواق إلى حافة الهاوية
هذه الخطوات تضع حدا للمرحلة الخطرة من الأزمة من خلال معالجة السببين الرئيسيين لها، ومن خلال طمأنة الأسواق بأن حلا طويل المدى غدا قاب قوسين أو أدنى. ذاك الحل بلا شك سيكون أكثر تعقيدا نظرا لأن النظام الذي وضعه البنك المركزي الأوروبي لن يتيح مجالا لأي حفز مالي ومشكلة الديون لن تحل دون نمو اقتصادي. أما مسألة وضع قواعد ضابطة لليورو، فهي متروكة للمفاوضات بين الدول الأعضاء.

هناك مقترحات أخرى كثيرة قيد النقاش خلف الأبواب المغلقة، ومعظمها يسعى إلى تحويل برنامج الاستقرار المالي الأوروبي إلى مصرف أو شركة تأمين.

صحيح أن أي مقترح قد ينجح في تهدئة الأزمة مؤقتا، لكن أي خيبة أمل قد تدفع بالأسواق إلى حافة الهاوية. الأسواق تميز الغث من السمين بين هذه المقترحات خاصة تلك التي تنتهك المادة 123 من معاهدة لشبونة. في ضوء هذا، قد يكون مفيدا اللجوء إلى الاستدانة لرسملة المصارف.


هذا التوجه لا يتطلب استدانة أو زيادة حجم برنامج الاستقرار المالي الأوروبي، لكنه أكثر حزما لأنه يضع المصارف تحت رقابة أوروبية مشتركة. ولهذا فهو قد يثير معارضة المصارف والحكومات الوطنية، ولا سبيل إلى فرضه وتبنيه إلا بالضغوط الشعبية.

المصدر : فايننشال تايمز