هو جينتاو (يمين) سبق أن التقى باراك أوباما في بكين (الفرنسية-أرشيف)

تساءل مستشار الأمن القومي الأميركي الأسبق زبيغنيو بريجنسكي عن إمكانية تقوية العلاقات الأميركية الصينية، وقال إن زيارة الرئيس الصيني هو جينتاو المزمعة الشهر الجاري إلى الولايات المتحدة تعد مناسبة تاريخية على مستوى عال، ويمكن استغلالها لتوطيد علاقات واشنطن وبكين.

وأوضح الكاتب الأميركي الذي خدم بلاده مستشارا أمنيا في عهد الرئيس الأسبق جيمي كارتر أن أهمية الزيارة تكمن في أنها الأولى من نوعها على هذا المستوى، بعد زيارة الرئيس الصيني الأسبق دينغ زياوبينغ منذ أكثر من ثلاثين عاما.

ودعا بريجنسكي إلى استغلال الزيارة ليس لمجرد توطيد علاقات عادية من الاحترام المتبادل بين واشنطن وبكين، ولكن لبناء علاقة بين الدولتين على أساس من التعاون المثمر البناء على مستوى التطلعات الدولية العادلة.

ويقول بريجنسكي إنه يتذكر جيدا زيارة زياوبينغ إلى الولايات المتحدة، والتي تمت في فترة كان الاتحاد السوفياتي السابق فيها يزداد تمددا، وسط جهود أميركية صينية مشتركة للوقوف في وجه التوسع السوفياتي.

"
زيارة جينتاو إلى واشنطن تأتي في مناخ مختلف عن زيارة سلفه دينغ زياوبينغ، حيث تتزايد الشكوك ومظاهر الريبة بين البلدين
"
شك وريبة
وتأتي زيارة جينتاو إلى واشنطن في مناخ مختلف عن زيارة سلفه، حيث تتزايد الشكوك ومظاهر الريبة بين البلدين، بالإضافة إلى أجواء القلق في آسيا بشأن الطموح الصيني الجغرافي والسياسي ونفوذ الصين في القارة، والتي ستلقي بظلالها على الاجتماعات القادمة بين الجانبين.

وأشار الكاتب إلى الاتهامات السياسية والاقتصادية المتبادلة بين الطرفين في الفترة الأخيرة، بدعوى أن كلا منهما يصدر قوانين ولوائح ويتبنى سياسات اقتصادية تخالف القوانين المرعية على المستوى الدولي، وأن كلاهما وصف الآخر بأنه أناني.

كما اشتد تأزم علاقات البلدين إثر اختلافهما بشأن مفاهيم حقوق الإنسان وخاصة إثر منح المنشق الصيني ليو تشياباو جائزة نوبل لعام 2010 في ظل عدم الرضا الصيني عن تلك الخطوة.


ويعيش الجانبان الأميركي والصيني في حالة من الشك والريبة تجاه الآخر، فبينما أثارت واشنطن قلق بكين إثر دعم الأولى للهند في الشأن النووي، ساعدت الصين باكستان على تحقيق طموح الأخيرة النووي، إضافة إلى ما يصفه الأميركيون بعدم اكتراث الصين إزاء تحرش كوريا الشمالية بجارتها الجنوبية، مما يزيد من حالة التوتر في شبه الجزيرة الكورية.


ويضيف الكاتب أن ما قد يزيد الطين بلة بشأن استقرار العلاقات الأميركية الصينية على المدى الطويل، أن كلتا الدولتين
تواجه مشاكل وأزمات داخلية متعددة.

عدم مرونة
وبينما أوضح بريجنسكي أن ضعف البنية التحتية الأميركية ربما يعد مؤشرا على انزلاق الولايات المتحدة وعودتها إلى أجواء القرن العشرين، قال إن الصين أيضا تناضل لإبقاء حال اقتصادها المتعاظم متناسبا مع نظامها السياسي المتصف بعدم المرونة.


ودعا الكاتب الدولتين إلى عدم التراجع عن بناء علاقات تعاونية قوية مثل تلك التي سادت بينهما قبل أكثر من ثلاثين عاما، في ظل النقاشات الصريحة المحتملة التي ستدور بينهما في وقت قريب، وأن تأخذ كلتاهما في الحسبان أن كلا منهما بحاجة إلى الأخرى.

وحذر بريجنسكي إزاء أي فشل أميركي صيني لبناء علاقات تعاونية صلبة واسعة النطاق، وقال إن من شأن ذلك إلحاق الدمار ليس بالأمتين الأميركية والصينية فحسب، ولكن بدول العالم أجمع، مضيفا أنه لا ينبغي لبكين أو واشنطن تضليل نفسيهما بأن أيا منهما يمكنها الاستغناء عن الأخرى، وأن تصاعد وتيرة الخصومة بينهما من شأنه إلحاق الضرر بكلتيهما، داعيا الدولتين إلى إدراك أن أي أزمة في إحداهما ستنعكس بالضرورة على الأخرى.

"
ضعف البنية التحتية الأميركية ربما يعد مؤشرا على انزلاق الولايات المتحدة إلى أجواء القرن العشرين، والصين أيضا تناضل لإبقاء حال اقتصادها المتعاظم متناسبا مع نظامها السياسي المتصف بعدم المرونة
"

وقال إنه كي تظهر الزيارة بمظهر أكبر من كونها مجرد زيارة عادية، ينبغي للرئيس باراك أوباما ونظيره هو جينتاو صياغة تصريحات موحدة للتطلعات الأميركية الصينية بشأن التعاون المشترك البناء المنتج بين الجانبين، وتحديد المبادئ والإطارات الواضحة لذلك التعاون.

وأضاف أنه ينبغي للرئيسين الإدلاء بتصريحات من شأنها إظهار الوعد والالتزام بأن العلاقات الأميركية الصينية تضطلع بدور أوسع من الاهتمام بمصالح كل من الدولتين بحد ذاتهما، بل تقوم على المبادئ الأخلاقية للقرن الحادي والعشرين المتمثلة في اعتماد دول العالم على بعضها البعض بشكل غير مسبوق.

تفاهم مشترك
وأوضح أنه ينبغي لتصريحات الرئيسين أن تشير إلى التفاهم المشترك لتحقيق الأهداف السياسية والاقتصادية والاجتماعية، دون أن تغفل عن الإشارة إلى أن هناك بعض الخلافات الواقعية البسيطة، وأن هناك تصميما على البحث عن طرق لتضييق هوة تلك الخلافات.

كما ينبغي لخطاب أوباما وجينتاو الإشارة إلى التهديدات المحتملة للأمن في مناطق تهم الجانبين، وأن يتعهدا بالعمل على التشاور والتعاون المشترك للعمل على مواجهة تلك التهديدات.

واختتم بريجنسكي بالقول إنه ينبغي للزيارة أن تعكس اهتمام الأمتين العظيمتين بالدور التاريخي الدولي الهام الملقى على عاتقهما، بغض النظر عن كونهما تمثلان حضارتين وتاريخين وهويتين وثقافتين مختلفتين.

المصدر : نيويورك تايمز