ساركوزي شعر بالحرج الشديد من الإخفاق في توقع سقوط بن علي (الفرنسية-أرشيف)

فرنسا تؤنب نفسها على طريقة تخبطها مع الثورة في تونس. وفي ضوء علاقات بلاده بمستعمرتها السابقة ومطالبتها بقيادة العالم في مجال حقوق الإنسان، شعر الرئيس نيكولا ساركوزي بالحرج من الإخفاق التام في توقع سقوط زين العابدين بن علي صديق باريس منذ زمن طويل.
 
وقالت ذي تايمز إن "الفشل التونسي الذريع"، كما تصفها عناوين الصحف الفرنسية، هو مع ذلك الأحدث في التاريخ الحديث من الحسابات الخاطئة لباريس عن حلفائها البغيضين. والمعارضة الاشتراكية تشعر بالخجل من صمت الحكومة المخزي تجاه الثورة. وفي المقابل وقفت الولايات المتحدة إلى جانب المتظاهرين قبل أسبوعين من السقوط.
 
وأشارت الصحيفة البريطانية إلى أن وزيرة الخارجية الفرنسية ميشيل أليو ماري عرضت الأسبوع الماضي، قبل ثلاثة أيام من فرار بن على، تقديم مساعدة فرنسية لشرطة مكافحة الشغب لقمع المتظاهرين. وتطالب بعض وسائل الإعلام باستقالتها، ورغم ذلك ردت أليو ماري بأن تونس هي باحة فرنسا الخلفية وأن الرئيس أوباما لن ينتفض لمساعدة ثورة في المكسيك.
 
"
وزيرة الخارجية الفرنسية ميشيل أليو ماري عرضت الأسبوع الماضي، قبل ثلاثة أيام من فرار بن على، تقديم مساعدة فرنسية لشرطة مكافحة الشغب لقمع المتظاهرين التونسيين
"
ذي تايمز
وتبين اليوم أن سفير فرنسا في تونس بيير منة أبلغ باريس صباح سقوط بن علي أنه أعاد فرض النظام بالبلد. وكان سوء التقدير هذا مذهلا نظرا لتغلغل فرنسا الوثيق بالإدارة التونسية والمجتمع والاقتصاد.
 
ويُقال إن ساركوزي انفجر قائلا إن أفضل مخبريه بالشأن التونسي لم يكن وزيرة الخارجية أو المخابرات ولكن ياسمين بيسون، زوجة إيريك بيسون أحد وزرائه. وهي واحدة من الجالية التونسية القوية بفرنسا البالغة سبعمائة ألف والتي كانت معادية لنظام بن علي منذ فترة طويلة.
 
وعلقت الصحيفة بأن لائمة تأخر استيقاظ فرنسا لا يمكن أن تلقى على فريق ساركوزي وحده. فقد كانت الحكومة تشير دائما إلى أن الرؤساء المتعاقبين من اليمين واليسار كانوا يدافعون عن حاكم تونس الذي رأوا فيه مصدرا للاستقرار وحصنا واقيا من خطر الإسلاميين.
 
وفي البرلمان الفرنسي أمس هاجم رئيس الوزراء فرانسوا فيلون الاشتراكيين، وأشار إلى إخفاقاتهم في السياسة الخارجية.
 
وذكرت ذي تايمز أن فيلون ذكر بأن الرئيس السابق ميتران فوجئ بسقوط الاتحاد السوفياتي وأنه عارض إعادة توحيد ألمانيا عام 1989 (وحرضته على ذلك رئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارغريت تاتشر). وقال فيلون إن الثورة التونسية تذكرنا بذلك.
 
وقالت أيضا إن المجال الرئيسي للتباين بين مبادئ فرنسا العليا وممارستها كانت الدول الأفريقية الناطقة بالفرنسية، حيث ساندت باريس منذ زمن طويل الأنظمة الفاسدة هناك باسم المصلحة العليا للدولة.
 
وكان أعتاها نظام جان بيديل بوكاسا، القاتل الذي عين نفسه إمبراطورا لجمهورية أفريقيا الوسطى، والذي غرسته باريس ورعته حتى فراره إليها عام 1976.
 
كذلك تأخرت باريس في سحب تأييدها للإبادة الجماعية للهوتو بحرب رواندا الأهلية وكانت محرجة الأسابيع الأخيرة بسبب إفشاءات السخاء الذي منحه عمر بونغو، حاكم الغابون الراحل، للقادة والمسؤولين الفرنسيين.
 
ومضت الصحيفة إلى أن الفرنسيين يشيرون إلى أنهم ليسوا وحدهم الذين يؤيدون السياسة الواقعية للأنظمة القمعية. فإن لواشنطن ولندن تاريخا في غض الطرف عن تجاوزات الأصدقاء. والأميركيون، مثل الفرنسيين، يجعلون أنفسهم لقمة سائغة لاتهامات بالنفاق بتقديمهم المزيد من دروس الوعظ للعالم.
 
ويعتقد الفرنسيون أنهم فعلوا الكثير للتكفير عن أخطاء الماضي، وموقفهم في العراق شاهد على ذلك عندما رفض الرئيس شيراك تأييد الإطاحة العسكرية بصدام حسين الذي يظل مقياس الدبلوماسية الأخلاقية في فرنسا.

المصدر : تايمز