بايفورد: أردوغان يريد أن ينظر الغرب إلى تركيا كحليف لا كتابع (الفرنسية-أرشيف)

قال الكاتب أوين ماثيوز إن رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان أصبح بطلا في الشرق الأوسط لوقوفه بوجه الغرب, لكن الكاتب أكد أن الإسلام ليس هو دافع أردوغان وراء ذلك.

وفي مقاله بمجلة نيوزويك, قال ماثيوز تحت عنوان "نجم الشرق أردوغان" إن رئيس الوزراء التركي الذي جاء إلى السلطة إثر فوز ساحق على معارضيه عام 2002، لم يتوقف عن التصدي للمؤسسة التركية العلمانية بجيشها وقضائها لمنعها من حظر نشاطه ونشاط حزبه بدعوى "الإسلامية المفرطة".

وهكذا تمكن أردوغان من الاستمرار في الفوز في كل الانتخابات العامة والاستفتاءات التي أجريت منذ ذلك الحين, ولم يتراجع تأييد الشعب التركي لحزب العدالة والتنمية الذي يترأسه.

واليوم يخوض الرجل رهانا آخر, إذ يحاول أن يكسب تأييد الأتراك لاستفتاء على تعديلات اقترحها في دستور البلاد تقلل من نفوذ الجيش, وهو ما يثير السؤال القديم الجديد "هل يسعى أردوغان لصياغة تركيا حسب رؤيته الخاصة؟".

وتخشى واشنطن أن تصل الأمور إلى ذلك الحد, إذ يتجاوز ذلك بكثير مخاوف العلمانيين الأتراك من احتمال سماح أردوغان لرجال الدين الإسلامي الأتراك بتحديد ما يجب أن تكون عليه السهرات التركية.

فالتوجس يكمن -حسب نيوزويك- في احتمال أن يدير أردوغان ظهره لتحالفات تركيا التقليدية مع الغرب وينضم بدلا من ذلك إلى المناهضين للسياسات الأميركية في الشرق الأوسط.

وهناك ما يبرر ذلك، "ألم يتحالف أردوغان مع الرئيس البرازيلي لولا إيناسيو داسيلفا في محاولته منع فرض عقوبات الأمم المتحدة على إيران بسبب برنامجها النووي؟ ألم يتهم إسرائيل بإرهاب الدولة ويقطع علاقات بلده العسكرية معها بعد الغارة التي نفذتها قوات خاصة إسرائيلية على أسطول الحرية التركي الذي كان ينقل مساعدات إلى قطاع غزة؟".

أردوغان يريد أن يبعد الجنرالات
عن السياسة في تركيا (الفرنسية-أرشيف)
لقد ظلت تركيا دوما الحليف الأهم للولايات المتحدة من بين الدول الإسلامية, بل إن واشنطن ترى في أنقرة أنموذجا ديمقراطيا يفصل الدولة عن الدين، يمكن أن يُحتذى في باقي منطقة الشرق الأوسط.

لكن هل يمكن أن يكون محرر افتتاحية وول ستريت جورنال روبرت بولوك محقا عندما حذر في أحد مقالاته من أن أردوغان يقود بلاده نحو "انحدار قومي إلى الجنون"؟.

وتشير نيوزويك إلى أن الوسيلة الوحيدة لمعرفة حقيقة ذلك هي أن نضع جانبا التعليقات الملتهبة على تصرفات أردوغان، وأن نلقي نظرة على الغموض الذي يلفه, فقد كان يحذّر الناس حتى عندما كان عمدة لمدينة إسطنبول في تسعينيات القرن الماضي من تقليد الغرب في احتفالاته برأس السنة وفي لباس السباحة لديه, كما اقترح حظرا للكحول وأطلق على نفسه لقب "خادم الشريعة".

بل إنه ذهب أبعد من ذلك عندما تغنى عام 1999 على الملأ بأبيات تقول "إن المساجد ثكناتنا، والقباب خوذاتنا والمآذن حرابنا.."، واتهمته المحكمة بتجاوز المسموح به في هذا الإطار, وسجن على أثر ذلك لمدة أربعة أشهر.

إن من يذكر اليوم تلك القصص أمام مؤيدي أردوغان يقابل بدفاع مستميت عن الرجل, فهم يرون أن أردوغان ليس نفس الشخص الذي سجن آنذاك.

بل إن المحلل البريطاني غرينفيل بايفورد يرى أن المتتبع لسياسات أردوغان منذ تسلمه السلطة لا يرى فيها إلا القليل من الإسلام, وبدلا من ذلك فإن رئيس الوزراء التركي كرس جهوده لحل قائمة طويلة من المشاكل الأخرى كإعادة حقوق الأقلية الكردية ووضع حد للإفلات من العقوبة داخل المؤسسة العسكرية التركية وترميم العلاقات مع اليونان وأرمينيا.. إلخ.

وتقول المجلة إن أردوغان لم يدفع حزب العدالة والتنمية لإقرار أي قانون ذي صبغة إسلامية منذ تسلمه السلطة سوى مرتين: الأولى عام 2004 عندما سعى أردوغان لتجريم الزنا، والثانية عام 2008 عندما عدل الدستور للسماح للمتحجبات بدخول الجامعات بعدما كان قانون أقر عام 1980 قد حظر ذلك.

"
المساجد ثكناتنا، والقباب خوذاتنا، والمآذن حرابنا..
"
من أغنية سجن بسببها أردوغان
وقد اعتبر العلمانيون الأتراك رفع ذلك الحظر تهديدا لفصل الدين عن الدولة, وحاولت المحاكم حظر نشاط حزب العدالة والتنمية وزعمائه لكنها فشلت.

وتعليقا على هذا الموضوع, يقول أحد معاوني أردوغان ممن عملوا معه في أوائل سنوات العقد الأول من القرن الحالي -وقد اشترط عدم ذكر اسمه- إن أردوغان كان غنيا وكان بإمكانه إرسال بناته للدراسة في الخارج، لكنه أحس بالظلم في مسألة تخيير الأسر الفقيرة بين المحافظة على دين أبنائها وتأمين مستقبلهم.

فالرجل حسب أحد المخططين الإستراتيجيين لحزب العدالة والتنمية، لم ينس أنه تربى فقيرا في أحياء الصفيح بإسطنبول, وذلك أمر مركزي في فلسفته أكثر من أي شيء آخر.

ولا شك -حسب بايفورد- أن أردوغان يسعى لتغيير جوهري في علاقة تركيا مع الغرب، فهو يريد أن ينظر إليها كحليف لا كتابع, كما يحس بالفخر لكون بلده تمكن من الخروج من الأزمة الاقتصادية أقوى من أي وقت مضى, وما يهمه اليوم هو أن يجعل الجمهور التركي -لا جنرالات الجيش- الحكم الحقيقي لمستقبل أفضل لتركيا.

المصدر : نيوزويك