عالم ألماني: الإنسان يخسر سباق الزمن
آخر تحديث: 2010/8/30 الساعة 19:23 (مكة المكرمة) الموافق 1431/9/20 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2010/8/30 الساعة 19:23 (مكة المكرمة) الموافق 1431/9/20 هـ

عالم ألماني: الإنسان يخسر سباق الزمن

شعورنا بالعجز عن تخفيف سرعة تلاحق الأحداث يقلقنا ويزيد من التوتر (رويترز-أرشيف)

نحن اليوم نركض لنظل في نفس المكان، نطارد زمنا لا يتوقف، ولو توقفنا ثانية واحدة عن الجري وراء العمل والبريد الإلكتروني ومواعيدنا والتزاماتنا وأموالنا والزمن المسرع، لسقطنا في هاوية البطالة والفقر والنسيان والنبذ الاجتماعي.

 

هكذا تبدو صورة الإنسان اليوم، كما يراها عالم الاجتماع الألماني هارتموت روزا، فالزمن في تسارع، يستغرقنا، والتسارع التقني في العمل وأمام الشاشات وفي وسائل النقل.. كل ذلك أدى إلى تسارع محموم في وتيرة حياتنا، وعجل بالتغيير في مجتمعاتنا، ولا شيء يقف أمامه.


أصبحت المهن تتغير في سنوات والآلات في أشهر، ولم تعد هناك وظيفة مضمونة، اختفت تقاليد المهنة والمهارة في أدائها، ولم تعد الزيجات تعمر طويلا وأعيد بناء العائلة وتراجع بناء السُلم الاجتماعي، وصار المدى القصير هو معيار التعامل، وتتابع الأحداث بلا نهاية.

 

الوقت
فإحساسنا بعدم وجود الوقت، وبأن كل شيء، بما في ذلك حياتنا، يمر بسرعة فائقة، وشعورنا بالعجز عن تخفيف هذه السرعة يقلقنا ويزيد من توترنا.

 

فموجة التسارع، حسب روزا، شتتت في طريقها الديمقراطية والقيم والتفكير بل وحتى الهوية غدت في تغير مستمر، ويتجلى هذا التسارع في الزيادة المضطردة لعدد الأفعال التي يجد الشخص أنه مطالب بالقيام بها في وحدة زمنية معينة.

 

فمثلا، عند عودة الناس من إجازاتهم، يجدون أنفسهم أمام قائمة طويلة من الأعمال يتحير الواحد منهم في كيفية القيام بها، فصندوق البريد الإلكتروني مليء، وثمة فواتير جديدة، والأطفال يريدون اقتناء آخر المعدات المدرسية، وأحتاج للتسجيل في دورة في اللغة تمنحني ميزة مهنية، وعلي أن أعتني بخطة تقاعدي، وبتأمين صحي يمنح أفضل الضمانات، ولست راضيا عن مشغل هاتفي، كما لاحظت هذا الصيف أنني لم أكن أعتني بما فيه الكفاية ببدني، أحتاج للتخطيط لمزيد من التمارين الرياضية للمحافظة على شبابي..إلخ.



العمل

وربما يكون التسارع في العمل هو السبب الرئيس لكل هذا، خاصة أن الاقتصاد الرأسمالي مبني على المعادلة البسيطة: "الوقت من ذهب" والتي هي المعيار في كل مكان.

فتوفير الوقت يعني بالنسبة لأرباب العمل زيادة أرباحهم، وهم يتمكنون من ذلك عبر دفع عجلة إنتاج السلع وتوزيعها، وهو ما يعني تسريع وتيرة عمل الموظفين والعمال بما يصاحب ذلك من تقنيات لـ"إدارة الإجهاد".

 

فعندما تقوم مؤسسة أو إدارة ما بتسريح عدد من العمال فهذا لا يعني أن لديها عملا أقل، بقدر ما يعني أن من أبقت عليهم سيطالبون بتحقيق المزيد، مما يؤدي إلى استقطاب غير صحي بين من يعملون فوق طاقتهم ومن همشهم نظام التسارع فبقوا عاطلين عن العمل.

 

وهذا التسارع يؤثر كذلك في الأخبار والأحداث وحتى الذاكرة، فكم من حدث شهدته الأشهر أو الأيام، بل وحتى الساعات الماضية، وكنا نوليه أيما اهتمام اختفى من ذاكرتنا.

 

أحيانا لا يبدو أنه يترك أي أثر على الإطلاق، فما الذي بقي من كأس العالم لكرة القدم هذا الصيف، وما الذي علق بأذهاننا من الأزمة الأوروبية قبل ستة أشهر عندما كانت اليونان على وشك الإفلاس.

بل إن قضايا بأهمية زوال الاتحاد السوفياتي أو الحرب الأولى على العراق أصبحت اليوم شيئا من الماضي البعيد، فالتاريخ تسارع بشكل كبير منذ ذلك الحين.

 

الأخبار

وإذا كانت نشرات الأخبار قديما اضطلعت بمهمة إمدادنا بـ"أخبار اليوم" فهذه لم تعد كافية اليوم، فالأخبار تبث لنا اليوم على مدار الساعة ويصاحبها نص متحرك يبث، لحظة بلحظة، آخر أخبار العالم، فأخبار العالم أصبحت تدفقا مستمرا للأحداث لا يتوقف على مدار الساعة.

 

لقد أثر التسارع أيضا على قدرتنا على الفهم العميق لحقبتنا والعالم من حولنا، بل لم يعد بوسعنا أن نفهم معنى وعواقب تصرفاتنا، لم يعد لدينا الوقت الكافي للتدبر والتفكير ولا لصياغة واختبار وبناء حججنا.

 

ولذلك، فإنه في السياسة، لم يعد الحزب الفائز هو الذي يقدم أفضل الحجج أو البرامج وإنما الذي يتمكن من الحصول على الصور الأكثر تأثيرا، وذلك لأن الصور تتحرك بسرعة بينما تتحرك الحجج ببطء.

المصدر : لوموند
كلمات مفتاحية:

التعليقات