عراقيون في بغداد يحتجون على استمرار انقطاع الكهرباء (الفرنسية-أرشيف)

في العام 2003، وبعد شهر من غزو قوات التحالف للعراق، أعد مراسل صحيفة غارديان البريطانية جوناثان ستيل تقريرا من أنحاء العراق عن ردة فعل العراقيين العاديين على إزاحة الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، وقد عاد اليوم لرصد ما تغير في حياة من قابلهم آنذاك، ومعرفة ما غيرته الحرب في حياتهم.

ويبدأ ستيل تقريره من أنقاض قصر الفاروق في تكريت -مسقط رأس صدام حسين- فحطام القصر متناثر تماما كما تركه في أبريل/نيسان عام 2003 بعدما تدفق إليه أعداد من العراقيين ونهبوه.

وبعد سبع سنوات لا يلاحظ تغيير يذكر، فقوات الشرطة العراقية الجديدة تحرس المكان بعد أن أحاطته بأسلاك شائكة، غير أن ركام هذا القصر يبقى شاهدا على عراق قد ولى لكنه لم ينس.

فأينما توجهت -يقول ستيل- يمطرك العراقيون بمقارنات لحياتهم اليوم وما كانت عليه تحت ظل حكم صدام، ونادرا ما تسمع من يفضل "المحتلين" وتلك كلمة كثيرا ما يستخدمها العراقيون عوضا عن "الأميركيين" و"البريطانيين".

ومع مغادرة القوات المقاتلة الأميركية للعراق، أحاول تعقب أشخاص تحدثت معهم في أبريل/نيسان 2003، ولا تبدو المهمة سهلة، فمنهم من قضى نحبه في العنف الطائفي، ومنهم من انضم إلى مليوني نازح عراقي خارج البلد أو إلى المليونين ونصف المليون الذين أجبروا على الفرار من بيوتهم واللجوء إلى مناطق أكثر أمنا داخل العراق نفسه.

ويصعب العثور على بعضهم لأن العراق لم يكن يمتلك في الفترة التي سبقت الغزو شبكة تلفون نقال، ولا تحتوي مذكرتي القديمة إلا على أسماء وأعمار الأشخاص الذين قابلتهم وكذلك توصيفات لوظائفهم فضلا عن عناوين غامضة لأولئك الأشخاص.

في تكريت
فهنا في تكريت، كان طبيب العيون الدكتور بشار الدليمي يحرس مع عدد من رفاقه المستشفى الرئيسي بالمدينة لحمايته من اللصوص الذين كانوا ينهبون قصر الفاروق القريب من المستشفى، فالقصف الذي طال ذلك القصر أدى إلى تحطيم نوافذ المستشفى
.
 

ولم يكن فخر الدليمي واعتزازه الشديد بوطنه ليسمح له بطلب المساعدة الأميركية في حماية المستشفى، بل قال لي إذاك "إن كان الأميركيون مستعدين لتقديم الحماية، فيمكنهم فعل ذلك، لكننا لن نطلب منهم أن يمدوا لنا يد العون".

واليوم ها هو الدليمي يجلس أمام رفوف من الكتب الطبية، أغلبها باللغة الإنجليزية، ويلخص السجل الأميركي في العراق خلال السنوات السبع الماضية، فيقول "كنا نتوقع بنى تحتية أفضل وخدمات أفضل، والواقع أن التيار الكهربائي لا يستمر إلا لبضع ساعات فقط في اليوم، أما البنزين فكارثة، وطوابير لا نهاية لها".

ويقر الدليمي بتحسين في رواتب العمال الحكوميين وفي مسألة الحصول على معدات طبية متقدمة، لكنه يشدد –كجل العراقيين الذين تحدثت إليهم- على أن انهيار الأمن هو أكبر تغيير شهده العراق منذ الإطاحة بصدام.

ويعبر عن سعادته بمغادرة الأميركيين قائلا "يسرني أن أراهم يغادرون, فالأمن لن يكون أسوأ مما هو عليه اليوم، ولا يمكن لغير العراقيين أن يوقفوا سفك الدماء المنتشر حاليا في البلد".

وما يقلق الدليمي أكثر هو العنف الذي قال إنه نخر الطائفة السنية خلال تلك السنوات، إذ اتهم بعضهم بالعمالة للمحتل، واستهدف البعض الآخر لأنهم كانوا أغنياء... إلخ.

"اتصلوا بي وقالوا إنهم سيخطفونني إن أنا لم أدفع، لقد حاولوا تجريد تكريت من أطبائها، وقد غادر الكثيرون منهم وبقيت، فقالوا لي إنهم يريدون المال وأخبروني أنه ضروري للجهاد، فقلت لهم إن ذلك غير شرعي وإنهم إن كانوا مسلمين حقيقيين، فإنهم لن يفعلوا مثل هذا العمل، لكن كل الأطباء دفعوا".

ولم يحدد الدليمي هوية من عبر عنهم بضمير "هم" ربما لخشيته من ردة فعل تنظيم القاعدة.

هكذا بدت بعض مناطق الفلوجة بعد الهجوم الأميركي عليها عام 2004 (الفرنسية-أرشيف)
في الفلوجة
المحطة الثانية للمراسل كانت مدينة الفلوجة، تلك المدينة التي تعرضت لدمار هائل وأغلقت من قبل القوات الأميركية والعراقية لمدة أربع سنوات، ولا يمكن لأي أجنبي أن يدخلها اليوم إلا بتصريح خاص.

وربما لم تعش مدينة عراقية الصراع الحالي مثلما عاشته الفلوجة، فمنها انطلقت شرارة المقاومة العراقية، وفيها ترعرع تنظيم القاعدة في العراق رغم أنه لم يكن معروفا في عهد صدام.

هنا يقول خالد إسماعيل الذي يدير اليوم محلا للنجارة والذي كان ضمن من نظموا احتجاجا لإجبار جنود أميركيين على مغادرة مدرسة في المدينة، فأطلق الأميركيون عليهم النار وقتلوا ثلاثة عشر منهم، ليمثل ذلك، حسب كثير من المحللين بداية التمرد المسلح ضد هذه القوات.

وقد فر إسماعيل مع زوجته وأطفاله الستة من الفلوجة إلى بغداد قبل أن يعود، وهو اليوم يكرر ما أصبح لازمة لدى كل من قابلتهم: الأمن وإمدادات المياه والكهرباء والخدمات كلها أسوأ مما كان عليه الحال خلال حكم صدام، والاقتصاد هو وحده الذي شهد بعض التحسن.

ويقول إسماعيل إنه يريد أن يبقى الأميركيون، مضيفا أن الأميركيين "أهانونا وجعلونا نمقتهم"، ولكننا نريد أن يحدوا من التدخل الإيراني في الشأن العراقي خاصة أن طهران "تسيطر على الحكومة في بغداد".

أميركيون يتأهبون لمغادرة العراق (الفرنسية)
في بغداد
أما في بغداد فكان ستيل قد التقى في العام 2003، إمام مسجد "علي البياع" الشيعي الذي حرص هو وعدد من رفاقه على المساهمة في وقف النهب، فأقاموا نقطة تفتيش مؤقتة عند المسجد في حي البياع.

وكانوا يوقفون السيارات ويفتتشونها بحثا عن الأشياء المسروقة، ثم يقومون بإعادة ما تأكد لديهم أنه مسروق من المكاتب الحكومية، أما الطعام فكانوا يخزنونه في المسجد لتوزيعه فيما بعد على الفقراء.

واليوم تحيط بهذا المسجد جدران خرسانية عالية تفصله عن الشارع العام وعن الحي المقابل ذي الأغلبية السنية، ويقوم عدد من رجال الشرطة بحراسة البوابة الوحيدة المؤدية إلى المسجد.

ويرى إمامه الشيخ محمد الفاضلي أن التوتر الطائفي قد تراجع بشكل كبير وأن عددا كبيرا من السنة عادوا إلى الحي، كما اختفت المليشيات, ويضيف أن الوقت اليوم في العراق هو لـ"الحرية والديمقراطية".

"كان نشاطنا منحصرا في إقامة الصلوات، لكننا اليوم أحرار ويمكننا أن نقدم المشورة للناس وننتقد أداء الحكومة، غير أن هناك بعض المسائل السلبية من قبيل الطائفية والحرب الأهلية، وتأخر تشكيل الحكومة والتفجيرات وإن كانت أقل مما كانت عليه من قبل".

ويصر الفاضلي على أن على الأميركيين أن يخرجوا من العراق كما هو مقرر، ويضيف أن أفضل وسيلة للحماية من الطائفية هي تشكيل حكومة ائتلافية تشمل قائمة رئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي والقائمتين الشيعيتين الفائزتين معها.

المصدر : غارديان