كساد كبير في أنفاق غزة
آخر تحديث: 2010/8/15 الساعة 15:23 (مكة المكرمة) الموافق 1431/9/6 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2010/8/15 الساعة 15:23 (مكة المكرمة) الموافق 1431/9/6 هـ

كساد كبير في أنفاق غزة

الأنفاق تكاد تكون المنفذ الوحيد أمام أهالي قطاع غزة المحاصر (رويترز-أرشيف)

قال الكاتب تيودور ميه إن ثمة عوامل يتمثل بعضها في الضربات العسكرية الإسرائيلية ضد غزة وفي الحصار المفروض عليها من جانب كل من إسرائيل ومصر، إضافة للمحاولات الدولية لتخفيف الحصار، كلها ساهمت في تراجع ما وصفه بازدهار صناعة الأنفاق في القطاع المحاصر.

وأوضح في مقال نشرته له مجلة فورين بوليسي الأميركية أنه قد يمكن للمرء معرفة مدى ازدهار صناعة الأنفاق في غزة عبر ملاحظة انتعاش المقاهي أو اكتظاظها بالعمال الذين عادة يناقشون أمر صناعتهم وما يتعلق بتهريب البضائع وغيرها في تلك المواقع.

وتمتد ما وصفها بمنطقة التهريب على جانبي الخط الفاصل بين كل من مصر وغزة، حيث يقطعها سياج حدودي مصري منخفض الارتفاع مزود بأبراج حراسة مأهولة بطول عدة مئات من الأمتار.

وأوضح الكاتب بالقول إنه بينما بلغ عدد الأنفاق ذات يوم أكثر من ألف في هذه القطعة من الأرض (غزة)، تراجعت هذه الأيام إلى نحو مائتين وفقا لما يقوله عمال الأنفاق، وذلك بفعل الدور الذي تضطلع به الحكومتان الإسرائيلية والمصرية في فرض الحصار، إضافة للمحاولات الدولية لتخفيفه.

"
الأنفاق باتت تشكل شريان الحياة الرئيسي لسكان غزة لإمدادهم بالمتطلبات الضرورية وحماس رعت صناعة الأنفاق ووفرت لها سبل الازدهار وما زالت ترى فيها مصدرا هاما للدخل
"
شريان الحياة
وأضاف أن تلك الأنفاق باتت تشكل شريان الحياة الرئيسي لسكان غزة لإمدادهم بالمتطلبات الضرورية وأن حركة المقاومة الإسلامية (حماس
رعت صناعة الأنفاق ووفرت لها سبل الازدهار، وأنها ما زالت ترى فيها مصدرا هاما للدخل.

وفي حين تبلغ رسوم منح الرخصة لبدء حفر الأنفاق نحو 6000 دولار، فهناك أيضا ضريبة مفروضة على كل نفق تقدر بمبلغ  200 دولار شهريا، حيث تقوم البلديات المعنية في القطاع بالإشراف على تجارة الأنفاق وتساعد في حل النزاعات بين أصحاب الأنفاق عبر تطبيقها قوانين العمل علاوة على توفيرها خدمات الإنقاذ في حالة انهيار النفق.

وحقق أحد سكان رفح المواطن الشاب خالد بركة (20 عاما) أرباحا في الأنفاق التي ازدهرت صناعتها منذ 2007 بوصفه "حافر أنفاق" والذي ترقى إلى أن أصبح مدير نفق يشرف على العمال الآخرين, حيث كان سابقا يعمل لثلاثة أو أربعة أيام أسبوعيا ويحصل على مبلغ 200 دولار يوميا.

وبينما ازدهرت تجارة صناعة الأنفاق بشكل مغر بالنسبة للغزيين, عاش العمال في خوف خشية انهيارها من جراء الضربات الجوية الإسرائيلية والغارات العسكرية المصرية.

ويمضي الكاتب قائلا إن صناعة الأنفاق بدأت في التراجع بعد الحرب الإسرائيلية على غزة في الفترة بين نهاية 2008 وبداية 2009 بعد أن أفلحت تل أبيب في إقناع مصر في انتهاج إستراتيجية لعزل حماس.

دور مصر
وأضاف أن مصر كثفت من جهودها لمنع وصول البضائع والأسلحة إلى القطاع، حيث نسب الكاتب لبعض العمال في غزة قولهم إن مصر ساهمت في إغلاق الأنفاق أكثر مما ساهمت به الغارات الجوية الإسرائيلية.

"
مصر كثفت من جهودها لمنع وصول البضائع والأسلحة إلى القطاع، وساهمت في إغلاق الأنفاق أكثر مما فعلته الغارات الجوية الإسرائيلية
"
وبينما أشار الكاتب إلى ما وصفه بموقف السلطات المصرية الصارم إزاء الأنفاق واستخدامها اليد الحديدية مع المهربين، نسب إلى أحمد يوسف المستشار السياسي لرئيس الوزراء في الحكومة المقالة إسماعيل هنية قوله بشأن ضبط النفس الذي تبديه مصر
"المصريون أذكياء جدا, فهم بإمكانهم إغلاق كافة الأنفاق غدا".

وأضاف يوسف أنه بينما يعتبر الرئيس المصري حسني مبارك حليفا أميركيا قويا ملتزما بمعاهدة السلام مع إسرائيل, فهو لا يريد إثارة الغضب في العالم العربي وداخل بلاده عن طريق قطع شريان الحياة الاقتصادي لغزة بالكامل.

وأشار مستشار هنية إلى تظاهرات شهدتها مختلف البلاد العربية في وقت سابق من العام الجاري احتجاجا على قيام مصر ببناء الجدار الفولاذي تحت الأرض على طول الحدود مع غزة والذي أطلقت عليه حماس "جدار الموت".

نشطاء أتراك
وأضاف الكاتب أنه منذئذ تزايد تدهور اقتصاد الأنفاق، فبعد هجوم إسرائيل على قافلة سفن إغاثة لغزة في 31 مايو/أيار الماضي الذي أسفر عن مقتل تسعة من النشطاء الأتراك, أضافت تل أبيب إلى قائمة المواد المحددة المسموح إدخالها إلى غزة قائمة صغيرة تشمل مواد كانت تصر على استبعادها, ونتيجة لذلك أدار العديد من الفلسطينيين ظهورهم للأنفاق مفضلين شراء مواد أرخص وذات نوعية عالية من المنتجات الإسرائيلية.

وفي الواقع, ورغم استمرار حماس في دعم تجارة الأنفاق وما تمثله من تحد للسياسة الإسرائيلية, يتلهف العديد من الفلسطينيين لرؤية هذه الصناعة وقد آلت إلى زوال كامل, وذلك لكون بضائع الأنفاق أغلى بدرجة كبيرة من المنتجات الإسرائيلية، خاصة في منطقة تشح فيها الأموال وتزيد فيها نسبة البطالة عن 40%.

"
المستهلك الغزي واقع نارين، تلك المتعلقة برغبته بالبضائع المستوردة بطريقة غير شرعية والأخرى التي يسمح بها عدوه الإسرائيلي، بالإضافة إلى كون نوعية البضائع تعد عاملا هاما
"
بين نارين
وبالنسبة للمستهلك الغزي فهو واقع بين نارين، إحداهما المتعلقة بالبضائع المستوردة بطريقة غير شرعية، والأخرى التي يسمح بها عدوهم الإسرائيلي، إضافة إلى كون نوعية البضائع تعد عاملا هاما.

وعاد الكاتب إلى الشاب الغزي بركة الذي وصفه بكونه أحد ضحايا تغير مصير الأنفاق، حيث قصف سلاح الجو الإسرائيلي نفقه في يناير/كانون الثاني الماضي، مما أدى إلى انهيار نصفه.

ولم يقرر صاحب النفق عدم إصلاحه فحسب، بل هجر هذه الصناعة برمتها قائلا "لقد هجرت تلك الصناعة لأنني فقدت عددا كبيرا من أصدقائي في الأنفاق"، وأضاف أنه مثبط الهمة ومحبط بسبب الجهود التي تقوم بها الحكومة المصرية ضد الأنفاق.

ومضى بركة إلى القول إنه يخشى من أن تقوم مصر بضخ السموم داخل نفقه, وإنه هجر ذلك العمل في الأنفاق وانضم إلى إخوانه حاليا للعمل في تجارة الفحم التي تعد أكثر أمنا وإن كانت أقل ربحا.

ومع تراجع صناعة الأنفاق, يبدو القطاع الممتد على طول الحدود المصرية أهدأ مما كان عليه قبل عام ونصف, فقد تلاشى النشاط في هذه المنطقة بعد توقف تدفق البضائع, ومع ذلك هناك دلائل وإشارات على أن عمل الأنفاق ليس في حالة نزاع ولكنه في "حالة نشاط معلقة" بانتظار هبوب رياح سياسية لتوفير ظروف أفضل من أجل عودته من جديد.

ونسب الكاتب إلى المواطن الغزي الشاب إبراهيم أبو طه (17 عاما) قوله إنه لم يمر أي شيء عبر الأنفاق منذ أيام، ويضبف "إنني أجلس قرب مدخل النفق لأنني لا أريد المخاطرة بفقدان وظيفتي".





وعند سؤال "أبو طه" عما إذا إن كانت الإجراءات المصرية والإسرائيلية الصارمة جعلته يشعر بالقلق على سلامته أو إن كان يفكر في التخلي عن تجارة الأنفاق كما هي حال الآخرين، هز رأسه بعد ابتعاد هدير نفاثة إسرائيلية قائلا "كلنا سيموت يوما ما".

المصدر : فورين أفيرز