عامر محمد رشيد ما زال بالسجن لأنه يعرف الكثير (الجزيرة-أرشيف)

يرى تشارلز دولفر نائب الرئيس التنفيذي لفريق الأمم المتحدة للتفتيش عن الأسلحة (يونسكوم) بالعراق أن استمرار اعتقال عامر محمد رشيد العبيدي وزير النفط العراقي السابق في عهد نظام الرئيس الراحل صدام حسين يمثل دليلاً على استمرار  الفساد والتسييس في النظام القضائي للحكومة العراقية الحالية.
 
ويقول دولفر، وهو كذلك رئيس مجموعة مسح العراق التابعة لوكالة المخابرات المركزية الأميركية (سي آي أي)، إن معتقل كامب كروبر الذي سلم الجيش الأميركي مؤخرًا إدارته للسلطات العراقية يضم في زنازينه مسؤولين من حزب البعث السابق يتهم بعضهم بالتواطؤ في جرائم ارتكبت في عهد الرئيس صدام، لكنه يضم أيضا معتقلاً من نوع آخر، هو عامر رشيد.
 
ويضيف صاحب كتاب "الاستغماية: البحث عن الحقيقة في العراق"، في مقالة نشرت مؤخرًا على الموقع الإلكتروني لمجلة فورين بوليسي أن محمد رشيد -الذي يبلغ حاليا السبعين من العمر- اعتقلته القوات الأميركية في أبريل/نيسان 2003 باعتباره أحد أكثر الأعضاء المطلوبين من النظام السابق أهمية لدوره في البرنامج العراقي لتطوير أسلحة الدمار الشامل في الثمانينيات، حسب المجلة.
 
لكن استمرار اعتقاله -حسب صاحب المقال- لا علاقة له بأسلحة الدمار الشامل، وإنما لأن منصبه السابق حين كان وزيرًا للنفط جعله مطلعًا على معلومات تتعلق بالفساد في صفوف الشخصيات الحالية التي تتنافس على السلطة في العراق الجديد، وكذلك بين بعض كبار المسؤولين الروس.
 
"
رشيد كان أحد كبار المسؤولين الذين عينهم صدام للتعامل مع فريق المفتشين، وكان مديرا تقنيا لامعا لأحد أكثر جهود التنمية العسكرية العراقية تقدمًا
"
النظام القضائي
ويوضح دولفر أن النظام القضائي الناشئ عام 2005 وضع الأساس لاستمرار احتجاز رشيد حيث أصدرت المحكمة مذكرة تتهمه فيها بـ"تبديد الثروة الوطنية مستغلاً منصبه مما أدى إلى ضياع كم هائل من الأموال والثروة الوطنية العراقية"، وهو لا يزال ينتظر في السجن دون أي إجراء منذ ذلك اليوم.
 
ويؤكد الكاتب أنه عندما يتعلق الأمر بالمحاسبة عن النفقات فإن محمد رشيد في الواقع أحد أكثر العراقيين البيروقراطيين حرصًا، حيث كانت العمليات الاعتيادية في وزارته تدار بشكل ملائم، ولم يحدث فيها أي خلل إلا عندما بدأت تدخل في عقود النفط زمرة من المقربين من الرئيس صدام.
 
ويرجع دولفر تاريخ معرفته برشيد إلى بداية التسعينيات عندما خدم نائبا للرئيس التنفيذي لفريق التفتيش عن الأسلحة في العراق حيث كان رشيد أحد كبار المسؤولين الذين عينهم صدام للتعامل مع فريق المفتشين، وكان مديرا تقنيا لامعا لأحد أكثر جهود التنمية العسكرية العراقية تقدمًا.
 
ويضيف الكاتب أن الرئيس العراقي أدرك موهبة رشيد وسرعان ما أوكل إليه مسؤوليات أكبر حيث عينه عام 1995 وزيرا للنفط ليستمر في منصبه حتى نهاية فترة عمر النظام السابق، بما فيها توليه المسؤولية خلال الفترة الحرجة التي سمحت فيها الأمم المتحدة للعراق بتصدير النفط في إطار برنامج النفط مقابل الغذاء.
 
ويقول الكاتب إن العراق حاول في تلك الفترة أن يزعزع العقوبات المفروضة عليه من خلال تخصيص بعض عوائد النفط للذين يعتقد تأثيرهم على تلك العقوبات، ومن بينهم –حسبما ذكره دولفر في تقريره عام 2004- مسؤولون في مكتب الرئيس الروسي ووزارة الخارجية الروسية آنذاك حيث استهلكوا مخصصات بلغت 43 مليون برميل من النفط.
 
ومن بين المتورطين كذلك ابن سفير روسيا في العراق، كما تتضمن القائمة من الجانب الفرنسي سفيرا سابقا لدى الأمم المتحدة، وكان كلا البلدين وخاصة روسيا يدعوان بشدة إلى تخفيف العقوبات على النظام العراقي.
 
تاريخ لقاءات
ويقول الكاتب إن محمد رشيد مثّل قضية العراق بشكل جيد جدا حتى أمام أكثر خبراء الأمم المتحدة تشككًا، وإن المفتشين وجدوا في نهاية الأمر جانبا كبيرا من الحقيقة فيما قدمه، ويؤكد أن محمد رشيد ظل يخبر مفتشي الأمم المتحدة سنوات بأن العمل الفعلي في أي برامج لأسلحة الدمار الشامل انتهى في نوفمبر/تشرين الثاني 1991، واتضح أن هذا الأمر حقيقي.
 
ويضيف أنه قابل محمد رشيد لاحقًا بعد الغزو، لكنه كان هذه المرة معتقلاً، ومع ذلك فإنه أثناء مناقشته بوثائق عقود النفط في وزارته -وهو كما يبدو لم يكن ممن ادخروا ثرواتهم خارج العراق- كان يتحدث إلينا بكل صراحته المعتادة.
 
وقد أظهرت الوثائق -حسب دولفر- ملاحقات قضائية رفيعة المستوى في أستراليا وفرنسا والهند والولايات المتحدة وغيرها من الأماكن، لكن لم يكن أي منها في روسيا حيث وصلت قائمة المخصصات النفطية إلى أعلى المستويات في الحكومة.
 
"
رشيد أمضى سبع سنوات في السجن دون أي إجراء، ويبدو أنه مذنب لكونه شاهدا، والنظام الحالي في العراق لا يريد سماع شهادته
 

"
موقع حساس
لكن الأمم المتحدة لم تفحص المكافآت والأرباح التي كان يقدمها النظام السابق للعراقيين وخاصة للزعماء في مناطق كردستان بشمال العراق التي كان يمر الكثير من النفط عبرها إلى تركيا وإيران خلال التسعينيات.
 
ويضيف دولفر أن أحد المشترين الرئيسيين لعقود النفط العراقي كان "شركة آسيا" التي اشترت نحو 11 مليون برميل نفط مقابل 174 مليون دولار من مايو/أيار 1999 حتى يناير/كانون الثاني 2003، وقد أوضح رشيد أن زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود البارزاني كان يدير هذه الشركة.
 
وكان رشيد -بصفته وزيرا للنفط- ينفذ هذه الصفقات، ولكن القرارات كان يتخذها صدام أو أحد مساعديه الأربعة المعروفين وهم عزت إبراهيم الدوري، وعلي حسن المجيد، وطه ياسين رمضان، وطارق عزيز، وأحيانا كان ابن صدام عدي يتدخل في هذه الصفقات.
 
هذا الأمر وضع الوزير السابق في موقع حساس جدا، حيث كان على اطلاع تام بالأشخاص المتورطين في الفساد المتعلق بصادرات النفط العراقية سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي.
 
وبشكل عام فإن محمد رشيد يعلم مَن مِن بين قادة العراق الحاليين استفاد أثناء حكم صدام، كما يعلم أيًّا من الزعماء الكبار في عدة عواصم مثل موسكو دُفع له.
 
ويختم دولفر بالقول إن محمد رشيد أمضى سبع سنوات في السجن دون أي إجراء، ويبدو أنه مذنب لكونه شاهدًا، والنظام الحالي في العراق لا يريد سماع شهادته.
 
ويؤكد أن استمرار اعتقال رشيد هو أحد الأمثلة العديدة على أن النظام الحالي فشل في أن يكون على مستوى التوقعات، وأنه إذا أرادت الحكومة الديمقراطية الجديدة أن تميز نفسها عن الحكومات السابقة فإنه بإمكانها أن تبدأ بالإفراج عن رشيد.

المصدر : فورين بوليسي