غزو العراق عام 2003 بدأ بقصف عنيف لبغداد (رويترز-أرشيف)

كشفت وثائق ظلت سرية منذ سبع سنوات أن النائب العام البريطاني السابق اللورد غولدسميث ظل يعتقد بعدم شرعية شن الحرب على العراق حتى قرر فجأة جواز ذلك قبل أيام من الغزو استجابة لضغوط رئيس الوزراء الأسبق توني بلير وبعض أعضاء حكومته.

وقالت صحيفة ذي إندبندنت البريطانية إن حكومتي كل من رئيس الوزراء الأسبق توني بلير وخلفه غوردون براون أبقتا على الوثائق والرسائل التي تحمل النصيحة والرأي القانوني بمدى شرعية شن حرب على العراق عام 2003 طي الكتمان، حتى جاءت الحكومة الحالية برئاسة ديفد كاميرون وكشفت عن تلك الوثائق السرية الأربعاء 30 أبريل/نيسان 2010 بشكل استثنائي وربما غير مسبوق.

وتشير الوثائق إلى أن اللورد غولدسميث أكد على ضرورة الحصول على قرار من مجلس الأمن الدولي لإضفاء الشرعية على الغزو، مما أثار غضب بلير الذي أجاب عبر مذكرة مكتوبة "إنني لا أستطيع فهم هذا"، مضيفا عبر مذكرة مكتوبة أخرى "نحن لسنا بحاجة لنصيحة أخرى بهذا الخصوص".

وتكشف الوثائق أن اللورد غولدسميث أوضح بصيغة مكتوبة ومتكررة أن الحرب على العراق لن تكون مشروعة دون الحصول على قرار أممي جديد يعقب القرار 1441، وأنه حذر من استخدام المزاعم التي تفترض امتلاك الرئيس العراقي الراحل صدام حسين أسلحة دمار شامل ذريعة لشن الهجوم على بلاد الرافدين لأن تلك الذريعة وحدها لا تمنح الغزو الصبغة القانونية.

اللورد غولدسميث قرر فجأة جواز شن الحرب قبل الغزو بأيام بعد أن أوصى مرارا بعدم شرعيتها (رويترز-أرشيف)
حكومة بلير
وأشار تقرير للصحيفة إلى أن حكومة بلير نشرت في خريف عام 2002 تقريرا للتحذير مما وصفها التقرير بالمخاطر التي يشكلها امتلاك العراق أسلحة دمار شامل، وذلك في محاولة لكسب تأييد الشعب البريطاني والرأي العام لصالح القيام بغزو العراق.

وفي رسالة موجهة إلى بلير مؤرخة في 30 يوليو/حزيران 2002 وموشحة بعبارة "سري وشخصي بشكل قطعي باستثناء الجهات الأمنية المختصة"، كتب اللورد غولدسميث أن أي هجوم على العراق لا يمكنه أن يتصف بالشرعية ما لم يسبقه قرار من مجلس الأمن يخول بشكل واضح استخدام القوة.

وحذر المستشار في رسالته -التي وجه نسخة منها إلى كل من وزير الخارجية البريطاني الأسبق جاك سترو ووزير الدفاع البريطاني الأسبق جيوف هون- من تقديم بريطانيا أي شكل من أشكال المساعدة العسكرية إلى الولايات المتحدة مهما كانت محدودة مثل "استخدام القواعد الجوية البريطانية أو الدعم اللوجستي أو أي دعم من شكل آخر.. لأن ذلك من شأنه توريط المملكة المتحدة وتحميلها المسؤولية أمام القانون الدولي، ولذا فعلينا أن نطمئن أولا وفي كل الحالات على مدى قانونية وشرعية استخدام القوة".

وأضاف اللورد غولدسميث في رسالته أن المواد التي عرضت عليه لا تشير إلى أن العراق يسعى لتطوير أسلحة دمار شامل، وليس فيها ما يثبت أن بغداد على وشك استخدام أسلحة دمار شامل.

وقالت ذي إندبندنت إن اللجان البريطانية المتعاقبة للتحقيق في الحرب على العراق سواء السابقة التي رأسها كل من اللورد هاتون واللورد بتلر أو لجنة التحقيق الحالية التي يرأسها السير جون تشيلكوت، كلها استمعت إلى مزاعم متكررة بأن جهات معينة بعضها ممثل في شخص بلير وبعض الوزراء في حكومته شجعت اللورد غولدسميث على تغيير رأيه بشأن شرعية الحرب، ودفعته في نهاية المطاف إلى تأييد قيام لندن بالاشتراك مع واشنطن بغزو بغداد تحت المظلة الأميركية ودون قرار جديد من مجلس الأمن يخولهم ذلك.

"
جورج بوش التقى بلير في البيت الأبيض في يناير/كانون الثاني 2003 حيث "تم تحديد موعد بدء الحملة العسكرية بشكل مبدئي ليكون في العاشر من مارس/آذار حيث ستبدأ عمليات القصف"
"
ذي إندبندنت
بوش وبلير
وفي يناير/كانون الثاني 2003 التقى كل من بلير والرئيس الأميركي السابق جورج بوش في البيت الأبيض، حيث كتب مستشار بلير للشؤون الخارجية السير ديفد ماننيغ مذكرة تلخص ملاحظات بوش في الاجتماع والتي تقول إنه "تم تحديد موعد بدء الحملة العسكرية بشكل مبدئي ليكون في العاشر من مارس/آذار حيث ستبدأ عمليات القصف".

وأما في 30 يناير/كانون الثاني 2003 أو بعد أن أصدرت الأمم المتحدة القرار 1441 بشأن العراق، فكتب اللورد غولدسميث رسالة إلى بلير يقول فيها إنه "على ضوء اجتماعكم مع الرئيس بوش يوم الجمعة، فلا بد أنكم تودون معرفة مدى ضرورة صدور قرار آخر من مجلس الأمن يسمح باستخدام القوة ضد العراق".

ومضى اللورد غولدسميث في رسالته التي تحمل إشارة "سري" بالقول إنه يحتفظ برأيه المتمثل في أن الترجمة القانونية للقرار 1441 الصادر عن الأمم المتحدة لا تخول أحدا استخدام القوة ضد العراق ما لم يصدر قرار جديد عن مجلس الأمن الدولي يسمح بذلك، وذيل النائب العام رسالته بعبارة "أنا لم أرسل أي نسخة من رسالتي هاته لأي جهة كانت".

لندن شهدت تظاهرات ضد بلير الذي مثل أمام لجنة التحقيق (رويترز-أرشيف)
كما كشفت الوثائق أن النائب العام أرسل فجأة استشارة قانونية لبلير يوم 12 فبراير/شباط 2003 تفيد بأنه يمكن اعتماد القرار الأممي 1441 لشن حرب على العراق شريطة إحياء محتوى القرار 678 من بين قرارات مجلس الأمن الخاصة بالعراق (1990-2000) وهو الصادر في 1990 والذي تتهم فيه الأمم المتحدة العراق بعدم تطبيق القرارات الأممية السابقة والسخرية منها.

وأوضح أن من الضروري أن تقوم الحكومة البريطانية بالسعي لإحياء القرار 678 (الصادر قبل حوالي 13 عاما على بدء الغزو)، مضيفا أنه إذا عجزت حكومة بلير عن إقناع مجلس الأمن بذلك فإن الغزو يظل شأنا غير شرعي، خاصة وأن القرار 1441 يحتوي على عبارات تفيد باختلافات في وجهات النظر بين الدول المعنية في مجلس الأمن.

وتقول ذي إندبندنت إن الحكومة البريطانية اجتمعت في السابع من مارس/آذار 2003 حيث تم إبلاغ النائب العام بضرورة إعداد النسخة النهائية بشأن مدى مشروعية شن الحرب على العراق، حيث قرر اللورد غولدسميث فجأة أنه لا حاجة لقرار أممي جديد لتبرير الغزو ضد بلاد الرافدين.

ميدالية الحرية
وأشارت الصحيفة إلى أن الكونغرس الأميركي قرر منح بلير ميدالية الحرية عن طريق المركز القومي للدستور، وهي ميدالية ذات صبغة مهيبة نظير التزامه الكبير بإيجاد حلول للصراع في أيرلندا الشمالية والشرق الأوسط.

وبينما أسهبت ذي إندبندنت في عرض تفاصيل العديد من الوثائق التي سبقت عمليات الغزو الأميركي البريطاني للعراق عام 2003 في تقريرها بشكل مفصل، اختتمت في افتتاحيتها بالقول إن غزو العراق يبقى شأنا يسجله التاريخ، وإن على البريطانيين مسؤولية التعلم والاستفادة من التاريخ، وإنه يجب أن "نبتهج لقرار الحكومة الحالية الإفراج عن تلك الوثائق التي تمكن لجنة التحقيق من أن تصدر قرارها".

المصدر : إندبندنت