تعليقا على الأزمة المالية الحالية في أوروبا، كتب دانييل غروس -وهو صاحب عمود حول الشؤون المالية في مجلة "سليت" الأميركية- مقالا تحليليا يقرأ فيه أبعاد تلك الأزمة وتداعياتها. وفي ما يلي نص جاء في ذلك المقال:
 
هل مشاكل أوروبا الاقتصادية معدية؟ من الصعب الشعور بالارتياح من هذا التعافي, أليس كذلك؟ فقد بدأ الاقتصاد أخيرا وفي أبريل/نيسان توفير وظائف بوتيرة متواضعة, ولكن مشاكل أوروبا الحالية -وبعضها من تداعيات وتشعبات كارثة الديون التي ضربت الولايات المتحدة ودفعت بها إلى الحضيض عام 2008- بدأت تهدد بتوجيه ضربة إلى أسواق الأسهم الأميركية والاقتصاد بشكل عام.
 
ولكن ورغم وجود سبب للقلق فإنه لا سبب يدعو للهلع, فالاضطرابات في أوروبا تجلب بعض الأنباء السارة على المدى القصير للولايات المتحدة وليس فقط خيبة أمل الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الذي تحدث في يناير/كانون الثاني الماضي حول انتهاء زعامة أميركا الاقتصادية.
 
وهنا تكمن بعض الأنباء السيئة جدا حيث بدأت المشاكل في أوروبا في أسواق السندات الحكومية وزيادة في العجز المالي وارتفاع طلبات التمويل في كل من اليونان وإسبانيا والبرتغال التي تسببت في خسارة ثقة المستثمرين.
 
وبدأت أسواق الاعتماد أو الإقراض فجأة في التوقف عن الاعتقاد بأن تلك الدول يمكنها ترتيب أوضاعها المالية الداخلية.
 
وقد وافقت اليونان على خفض النفقات ورفع الضرائب مقابل حصولها على مساعدات من البنك المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي، وتلتها إسبانيا والبرتغال.
 
وينتهج البنك المركزي الأوروبي سياسة نقدية توسعية، لكن العديد من دول أعضاء الاتحاد الأوروبي تنتهج سياسة مالية انكماشية بشكل جدي، والنتيجة: اصطدام النمو في قارة أوروبا بالجدار.
 
"
اندفاع النمو الاقتصادي نحو التوقف أنباء سيئة بالنسبة لأسهم الشركات الأوروبية وللاقتصاد العالمي, فأوروبا تستهلك كميات ضخمة من البضائع والخدمات والعديد منها مستورد, ولكن هذا له تأثير إيجابي بالنسبة للأميركيين
"
يعتبر اندفاع النمو الاقتصادي نحو التوقف أنباء سيئة بالنسبة لأسهم الشركات الأوروبية وللاقتصاد العالمي، فأوروبا تستهلك كميات ضخمة من البضائع والخدمات والعديد منها مستورد، ولكن هذا له تأثير إيجابي بالنسبة للأميركيين, وكان من أول ردود فعل الأسواق لتراجع النمو في أوروبا هبوط حاد في سعر النفط الخام في الشهر الماضي بنسبة 20%.
 
وفي هذا السياق كتب كيلي إيفانز في وول ستريت جورنال يوم الثلاثاء أن كل انخفاض بمقدار عشرة دولارات في برميل النفط الخام يوفر لأصحاب البيوت الأميركيين مبلغ 20 مليار دولار من تكاليف الطاقة في السنة.
 
وجريا على العادة خلال فترات التوتر، يسرع المستثمرون من كافة أنحاء العالم إلى شراء السندات الحكومية الأميركية وهو تحرك يدفع لخفض أسعار الفائدة. وقد انخفضت عائدات السندات الحكومية الأميركية ذات أجل عشر سنوات في الأسابيع الأخيرة من 4% إلى 3.16%، وحذت حذوها أسعار الفوائد على الرهن بينما تعزز الدولار أمام اليورو، وهذه أنباء جيدة بالنسبة لمحبي برونيلو دي مونتالتشينو والجبنة الطرية وبالنسبة للسياح.
 
والآن جاء دور الأنباء السيئة, فدولار قوي ويورو ضعيف سيضر بالتصدير الذي هو نقطة هامة على طريق استعادة الاقتصاد الأميركي لعافيته، وقد ارتفع بنسبة 21.6% في الفترة ما بين مارس/آذار 2009 وأبريل/نيسان 2010.
 
كما يشير تقرير حديث بشأن الميزان التجاري أن نحو 23% من الصادرات الأميركية تذهب إلى أوروبا، ونحو 19% إلى أعضاء في الاتحاد الأوروبي. والأزمة الأوروبية تعتبر بمثابة أنباء سيئة للشركات الأميركية التي تصدر إنتاجها عبر الأطلسي والتي عليها مواجهة منافسة البضائع الأوروبية التي أصبحت أرخص بشكل مفاجئ.
 
يمكن السيطرة على الخطر على الاقتصاد الحقيقي الأميركي الذي يشكله المخاض الأوروبي.. إنه الخطر الموجه إلى الاقتصاد المالي القومي الذي يمكن أن يمتد إلى  داخل الاقتصاد الحقيقي، وهذا يستحق الملاحظة.
 
وكما جاء في تقرير لرويترز "قدر  بنك غولدمان ساكس مجمل الديون البنكية الأميركية الظاهرة للعيان لليونان والبرتغال وإسبانيا بنحو 90 مليار دولار"، وهذا ليس مبلغا هائلا بالنسبة للمؤسسات المالية الأميركية الكبيرة.
 
لكن الخطر يكمن في مشاهدة تكرار وباء الإنفلونزا عام 1918 الذي انتشر من أوروبا المضطربة وقتل ملايين الأميركيين. أما إنفلونزا اليوم فهي الهلع والخوف وأزمة الثقة، وهي فيروس قاتل ينتقل عبر الهواء بسرعة.
 
فإذا ما انهارت أسواق البنوك والائتمان الأوروبية, وإذا ما تشبثت أوروبا بنفس أزمة الثقة التي أثرت على النظام المالي عام 2008، ومن ثم انتشرت إلى مختلف أنحاء العالم بشكل فوري, فهذا من شأنه أن يخلق مشاكل كبيرة بالنسبة لأميركا.
 
لم تعد مناطق خطر اليوم متمثلة في أسهم جي.بي مورغان تشيس وغولدمان، وبدلا من ذلك هناك نشاطات أسواق خفية أصبحت حديث الناس عام 2008 وعادت منذ ذلك إلى عالم الغموض.
 
وكما تقول سي.أن.بي.سي فإن ليبور -وهو عرض الفائدة من جانب لندن إنتربنك- رفعت نسبة الفائدة التي تجنيها البنوك من إقراضها لبعضها لمدة 11 يوما متتالية.
 
ورغم أن فائدة ليبور ما زالت منخفضة فإن الفائدة على مدة ثلاثة أشهر هي الأعلى منذ يوليو 2009, وتقول "تيد" إن الفرق بين أسعار الفوائد على الإقراض الداخلي بين البنوك وبين الفوائد القصيرة الأجل على الديون الحكومية الأميركية قد ارتفع كذلك.
 
حتى حينه, فإن المعلومات حول أسواق الائتمان تقول بأن فيروس الخوف ما زال يعشش في أوروبا، ولكن -كما شاهدنا عام 2008- يمكن للعدوى أن تنتشر بسرعة.

المصدر : نيوزويك