شمعون بيريز مهندس العلاقات مع نظام الفصل العنصري بجنوب أفريقيا (الفرنسية-أرشيف)

وصف كاتب أميركي مرموق التحالف الذي أقامته إسرائيل مع جنوب أفريقيا قبل انهيار النظام العنصري بأنها علاقة من الباب الخلفي, اتسمت بطابع سري ونفاق بلغ حد الإثارة لكلا الطرفين وانتهى بإلحاق الضرر لكليهما.

ففي مقال بعنوان "علاقة إسرائيل المحرّمة", كتب غلين فرانكل في مجلة فورين أفيرز الأميركية يقول إن الشراكة التي أقامتها الدولة العبرية مع نظام الفصل العنصري آنذاك انتهكت القانون الدولي, ووفرت السلاح والتكنولوجيا لحكومة الأقلية البيضاء مما ساعدها بالحفاظ على قبضتها على مقاليد السلطة واضطهاد الأغلبية السوداء على مدى عقدين من الزمان.

ويستعرض فرانكل -أستاذ الصحافة الجامعي- في مقاله مراحل تطور العلاقة الثنائية بين إسرائيل وجنوب أفريقيا إبان حكم الأقلية البيضاء. ويأتي المقال تعقيبا على التقرير الذي نشرته صحيفة ذي غارديان البريطانية أمس الاثنين وكشفت فيه بالوثائق التعاون العسكري بين البلدين نقلا عن كتاب من تأليف أكاديمي أميركي يهودي.

يقول فرانكل -الذي عمل رئيسا لمكاتب صحيفة واشنطن بوست في جنوب أفريقيا والقدس ولندن- إن تلك العلاقة انتهت إلى سوء خاتمة, ولطِّخت سمعة كل من كانت له صلة بها بمن فيهم زعماء المنظمات اليهودية الأميركية, الذين "فقدوا مصداقيتهم بإقرارهم وترديدهم كالببغاوات للأكاذيب التي لقنهم إياها المسؤولون الإسرائيليون".

وكشف كاتب المقال عن أنه قضى الساعات الطوال -عندما كان رئيسا لمكتب واشنطن بوست في جنوب أفريقيا والقدس في ثمانينيات القرن الماضي- لاختراق ما سماه "الستار الحديدي" الذي ضربه البلدان بحرص شديد على شراكتهما الإستراتيجية.

"
علاقة إسرائيل بنظام جنوب أفريقيا العنصري السابق شأنها شأن العديد من قصص الحب غير الشرعية لا تزال تظلل سماء إسرائيل وسمعتها الدولية مثل سحابة سامة
"
التحالف الخفي
ثم جاء –كما يقول- كتاب ساشا بولاكوف سورانسكي الذي نقلت عنه جريدة ذي غارديان الكشف المثير.

ولعل أهمية كتاب سورانسكي تأتي, إلى جانب الأسرار والوثائق الرسمية التي تضمنها, من كون مؤلفه يهوديا أميركيا هاجر والداه إلى الولايات المتحدة من جنوب أفريقيا.

فقد كشف المؤلف في كتابه بعنوان "التحالف المسكوت عنه.. علاقة إسرائيل السرية بنظام الفصل العنصري بجنوب أفريقيا" الذي سينشر اليوم الثلاثاء, أن إسرائيل عرضت عام 1975 بيع رؤوس نووية للنظام العنصري في جنوب أفريقيا، مما يشكل أول دليل وثائقي رسمي على امتلاك إسرائيل أسلحة نووية.

وعلاوة على كشفه وثائق سرية, أجرى سورانسكي مقابلات مع شخصيات من جنوب أفريقيا وإسرائيل ممن لعبوا أدوارا رئيسية في تأسيس الشراكة بين البلدين وتعزيزها.

وكانت النتيجة كتابا موثقا أفضل توثيق, ويقدم الرواية الأكثر شمولا ومصداقية على الإطلاق عن "الزيجة السرية بين الدولة "العنصرية" وإسرائيل, على حد تعبير فرانكل.

وقدّر سورانسكي في الكتاب صادرات إسرائيل العسكرية السنوية إلى جنوب أفريقيا بين عامي 1974 و1993 بنحو ستمائة مليون دولار, مما جعل جنوب أفريقيا ثانية أو ثالثة أكبر شريك تجاري لتل أبيب بعد الولايات المتحدة وبريطانيا.

واعترف كاتب المقال بأن إسرائيل جنت من علاقتها تلك أرباحا وفيرة, لكنها دفعت كذلك الثمن من موقفها الأخلاقي.

"
قطعت أكثر من عشرين دولة أفريقية علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل عقب حرب أكتوبر 1973. وعلى النقيض من تلك الخطوة, قامت جنوب أفريقيا بتزويد إسرائيل بقطع غيار لطائراتها الحربية من طراز ميراج

زواج مصلحة
ويرى خبراء السياسة الخارجية الواقعيون أن الثمن الذي تدفعه واشنطن في العالم الإسلامي بسبب دعمها لإسرائيل يفوق كثيرا أي قيمة إستراتيجية تمثلها الدولة العبرية للولايات المتحدة.

ولعل الاهتمام الأكبر ظل منصبا دوما على شخصية إسرائيل باعتبارها ديمقراطية نشطة تشاطر الأميركيين قيمهم. غير أن التحالف السري مع جنوب أفريقيا أضعف حقها في التمتع بإعجاب الولايات المتحدة ودعمها.

ومضى فرانكل إلى القول إن علاقة البلدين بدأت كزواج مصلحة. فقد ساعدت أموال جنوب أفريقيا إسرائيل لتصبح صانعة رئيسية للأسلحة ودولة مصدرة لها, وأعانتها في تمويل اقتصادها القائم على التقنية العالية.

أما بريتوريا فقد أتاحت لها العلاقة مع إسرائيل الحصول على أسلحة وتقنية عسكرية عالية الكفاءة في وقت كانت معظم دول العالم تسعى لفرض عزلة على نظام الفصل العنصري وإدانته.

ورغم أن إسرائيل ظلت طوال العقدين التاليين تواصل شجبها في العلن سياسة التمييز العنصري, فإنها ظلت تساند في الخفاء حكومة الأقلية البيضاء وتعينها على الحفاظ على تفوقها العرقي.

وفي ثنايا متابعته لمراحل تطور تلك العلاقة, تناول سورانسكي في كتابه الدور الذي اضطلع به شمعون بيريز –الرئيس الحالي لدولة إسرائيل- في إقامة تلك الروابط وسعيه إلى تعزيزها من مختلف المواقع الرسمية التي تبوأها.

وأشار إلى أن بيريز كان يحظى برعاية ديفد بن غوريون –أول رئيس لإسرائيل- وكان من المهندسين الرئيسيين الذين بنوا المؤسسة الدفاعية للدولة.

وعندما أصبح بيريز وزيرا للدفاع عقب حرب أكتوبر 1973, قام في أول عهده بزيارة سرية لبريتوريا.

وبعد أن وقّع بيريز ونظيره الجنوب أفريقي بيك بوتا معاهدة أمنية سرية في أبريل/نيسان 1975, باعت إسرائيل دبابات وطائرات مقاتلة وصواريخ طويلة المدى لجنوب أفريقيا وعرضت أن تبيعها كذلك رؤوسا نووية.

كما شرعت إسرائيل في لعب دور الوسيط في شراء أسلحة نيابة عن النظام العنصري من دول رفضت في الظاهر التعامل مع بريتوريا.

كل ذلك حدث رغم الحظر الإجباري على الأسلحة الذي فرضه مجلس الأمن الدولي في نوفمبر/تشرين الثاني على جنوب أفريقيا.

"
تدفقت الأموال على إسرائيل من الجالية اليهودية في جنوب أفريقيا حتى بات البلدان على وشك أن يصبحا إخوة في السلاح
"
سورانسكي

قلاقل داخلية
وكشف سورانسكي في كتابه أسماء شخصيات لعبت دورا رئيسيا في تعزيز العلاقات بين البلدين من بينهم الدبلوماسي الإسرائيلي إسحق أونا الذي أصبح القنصل العام في جوهانسبيرغ في 1969 قبل أن تتم ترقيته لاحقا إلى درجة سفير. وهناك أيضا بنيامين تيليم, قائد البحرية الإسرائيلية السابق.

وساهمت شركات الأمن الإسرائيلية وعسكريون سابقون في تدريب وتجهيز قوات الشرطة القمعية في جنوب أفريقيا بالعتاد والمعدات.

بل إن جنوب أفريقيا زودت إسرائيل بمخزون احتياطي من اليورانيوم يزن 500 طن لـ برنامجها النووي.

وفي المقابل, باعت إسرائيل لجنوب أفريقيا ثلاثين غراما من التريتيوم, وهي مادة مشعة تساعد في زيادة القوة التفجيرية لأسلحتها النووية الحرارية.

وبحلول عام 1987 كان نظام التمييز العنصري يصارع للتغلب على القلاقل الداخلية التي تزامنت مع الإدانة الدولية, لدرجة أرغمت حتى إسرائيل على الانتباه لما يجري.

ومن بين الأمور التي حرَّكت الأحداث حينذاك, التعديل الذي تضمنه القسم (508) لمشروع القانون المناهض للفصل العنصري والذي أقره الكونغرس الأميركي في 1986.

ونص ذلك التعديل على ضرورة أن تقدم وزارة الخارجية الأميركية تقريرا سنويا بالدول التي تنتهك حظر الأسلحة إلى جنوب أفريقيا.

وورد في أول تقرير صدر في أبريل/نيسان 1987 أن إسرائيل ظلت تنتهك بانتظام الحظر الدولي على مبيعات السلاح.

"
في زيارته لجنوب أفريقيا عقب توليه وزارة الدفاع, أبلغ شمعون بيريز مضيفيه أن التعاون المشترك معهم لا يقوم على المصلحة المشتركة فحسب بل على أساس لا يتزعزع قائم على "كراهيتنا معاً للظلم ورفضنا الرضوخ له"
الصهيونية والعنصرية مجددا
ومع كل ما ورد في الكتاب, فإن فرانكل لا يرى في بولاكوف سورانسكي ناقدا تلقائيا لإسرائيل بل إنه في نظره يروي قصته من باب الأسى وليس الغضب.

فهو يقر بأن التحالف السري كانت له فوائده, فقد ساهم إلى حد ما في تعزيز أمن إسرائيل وتسهيل أمورها, وربما ساعد كذلك في تمهيد الطريق لجهود إقرار السلام.

على أن مؤلف الكتاب نفسه يعقد مقارنة "غير مريحة" بين التمييز العنصري والاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة, مشيرا إلى أن كلتا الدولتين ضالعتان في إرساء نظام يقيد حرية التنقل والعمل, ويحرم الناس من حقوق المواطنة, ويفرز مظاهر التشرد والفصل والحرمان من حق التصويت.

ومن ضمن الثمن الذي تدفعه إسرائيل نظير تعاونها مع النظام العنصري السابق في جنوب أفريقيا, تلك الحملة المناهضة لها والتي باتت تكتسب زخما في الجامعات والكليات في أرجاء الولايات المتحدة وأوروبا.

وتسعى هذه الحملة, المدعومة من مناصرين حقيقيين للقضية الفلسطينية والحكومات العربية, مرة أخرى إلى مساواة الصهيونية بالعنصرية وتجريد إسرائيل من مشروعيتها التي اكتسبتها "بشق الأنفس" بتصويرها على أنها "جنوب أفريقيا ثانية", على حد تعبير سورانسكي.

المصدر : فورين أفيرز