مستقبل متشائم لاقتصاد اليونان
آخر تحديث: 2010/5/24 الساعة 15:22 (مكة المكرمة) الموافق 1431/6/11 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2010/5/24 الساعة 15:22 (مكة المكرمة) الموافق 1431/6/11 هـ

مستقبل متشائم لاقتصاد اليونان

سياسة التقشف هي الحل للخروج من الأزمة اليونانية (الجزيرة-أرشيف)

يبدي أستاذ العلوم السياسية الأميركية ستيفن وولت في مقال له بمجلة "سياسة خارجية" قدرا كبيرا من التشاؤم بخصوص المستقبل الاقتصادي اليوناني، عازيا ذلك إلى ضرورة قيام هذا البلد بأمور متناقضة تسمح له بخفض ميزانيته وتحفيز نموه الاقتصادي في الوقت نفسه.
 
ويقول في هذا السياق:
إن آخر ما أرغب فيه أن أكتب شيئا ما من شأنه إثارة الذعر في الأسواق, ولكني لا أعتقد أن هناك من يأخذ وجهة نظري بخصوص الأمور المالية أو الاقتصادية على محمل الجد بشكل كبير، من قبيل إثارة نقاش بخصوص وول ستريت.
 
أقول هذا لأنني عدت لتوي من أثينا وأمضيت معظم وقت رحلتي وأنا أقرأ  كتاب لياقت أحمد الرهيب بعنوان "ملوك المال.. المصرفيون الذين حطموا العالم". أدت رحلتي والكتاب الذي قرأته إلى زيادة تشاؤمي بخصوص آفاق إصلاح اليونان لتدهورها الاقتصادي, وأشعر بالقلق من أن يؤدي هذا الوضع إلى تداعيات سلبية مهمة في أماكن أخرى.
 
فالمشكلة التي يعرفها الآخرون أكثر مني أنه سيكون من الصعب جدا على اليونان إنقاذ وضعها رغم خطة الإنقاذ الأخيرة من قبل كل من الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي.

من أجل أن تبعد اليونان عنها شبح الإفلاس, فإن عليها خفض ميزانيتها بدرجة  قاسية -وهو ما يعني فقدان الناس لوظائفهم أو خفض مدخولاتهم- في الوقت الذي عليها فيه تحفيز النمو الاقتصادي.
 
وتكمن المشكلة في صعوبة القيام بالأمرين في آن واحد، لأن خفض الميزانية -أو زيادة كفاءة جباية الضرائب- تقلل من الطلب المحلي، ومن ثم تؤدي إلى خنق أو إعاقة النمو الاقتصادي.
 
ونظرا لكون اليونان جزءا من منطقة اليورو، فلا يمكنها تحفيز نموها الذي تقوده الصادرات عبر اتخاذ إجراءات عادية لخدمة مصالحها بتخفيض قيمة عملتها (اليورو المتدهور يمكنه أن يساعد على المستوى العالمي ولكن ليس ضمن منطقة اليورو نفسها)، ناهيك عن أن هناك المزيد من الظروف المعيقة في أماكن أخرى من أوروبا تصعب من احتمال نمو اليونان إذا عم الكساد في بقية أوروبا، أو إذا أدت الجهود الحكومية من أجل إعادة الهيكلة إلى انتشار القلاقل السياسية على نطاق واسع، مما يضعف فرص النمو القوي.
 
وبمجرد بدء إدراك الأسواق المالية لذلك, سيتزايد عرض السندات مرة أخرى، ويعود بنا ذلك إلى نفس المأزق الذي كنا فيه قبل أسابيع قليلة.
 
وكل هذا يدعوني إلى استنتاج أن أوروبا بأجمعها ستكون في حالة صعبة لفترة قادمة من الزمن، اللهم إلا إذا اكتشف المسؤولون في الاتحاد الأوروبي طريقة أحسن مما قاموا به حتى الآن, كما أن أي كساد أوروبي حاد يمكن أن يتسبب في إطلاق كساد حاد في الولايات المتحدة، مما ستكون له تداعياته السياسية والاقتصادية الكبيرة (ومنها خسارة أوباما لولاية ثانية على سبيل المثال).
 

القلق والاضطراب يعمان الشوارع
(الفرنسية-أرشيف)
أين تقع مكانة كتاب أحمد من هذا كله؟ الكتاب تاريخ للاقتصاديات والأنظمة المالية الدولية في العشرينيات -على سبيل المثال خلال الانزلاق نحو الكساد العظيم- كما يلاحظ من خلال حياة وقرارات مصرفيي البنوك المركزية الأربعة خلال تلك الفترة، وهم بنيامين سترونغ من نيويورك الاتحادي, ومونتاغ نورمان من بنك بريطانيا, وهيلمار شاخت من المصرف الألماني، وإميل مورو من بنك فرنسا. أما الشخصية الخامسة وهي جون ماينارد كينز فكان يعزف على نغم مخالف لهؤلاء الأربعة.. إنها قصة تستحوذ على الاهتمام تلك التي يسردها أحمد بأسلوب جزل وبعد نظر، وقد تعلمت منها ثلاثة دروس رئيسية:
 
أولها- أن إدارة الاقتصادات الكبرى تبقى فناًّ وليست علما، لأن النجاح أو الفشل كثيرا ما يعتمد على الحالة النفسية العامة، وهو ما سماه كينز "أرواح الحيوانات"، ولا يمكن إلا لقلة أن يستشرفوه أو يتنبؤوا به بشكل كامل, علاوة على أنه لا مفر أمام مسؤولين من ذوي النوايا الحسنة من العمل وفقا لمعلومات غير كاملة.
 
وبذلك فإنهم يرتكبون أحيانا أخطاء تبدو غبية لدى استذكارها من جديد، ولكنها تبدو مبررة -أو على الأقل ليست أسوأ من الخيارات الأخرى- في ذلك الوقت.
 
الدرس الثاني- أن كلا من تلك الشخصيات الرئيسية في الكتاب حققت فترة واحدة على الأقل من النجاح الباهر، وتمت الإشادة بهم على أنهم عباقرة يتمتعون بقدرة خارقة في إدارة الشؤون المالية.
 
وكما تعلم فهذا كان ديدن الناس حينما كانوا يتحدثون عن ألان غرينسبان, لكن مع استثناء جزئي لسترونغ (الذي توفي بعد عمر قصير نسبيا في سن الخامسة والخمسين قبل فترة وجيزة من حلول الكساد). وكل هؤلاء ارتكبوا تخبطات رئيسية ساعدت في حصول وتعقيد وتعميق الكساد وألحقت ضررا كبيرا بسمعتهم.
 
قد يكون الدرس الثالث أهم الدروس، فالكتاب يذكرنا بأنه في بعض الأوضاع لا توجد ببساطة خيارات جيدة كثيرة أمام السياسيين, فقد أدت مجموعة من ظروف بنيوية وبعض المعتقدات المتزمتة إلى إعاقة جهود هؤلاء الأربعة في إدارة وتوجيه الاقتصاد العالمي في العشرينيات، من قبيل الالتزام الثابت بمعيار الذهب والديون الضخمة الناجمة عن الحرب العالمية الأولى، وكذلك سياسة التقسيم القاسية التي فرضت على ألمانيا، والمؤسسات المالية المحلية غير الملائمة لحقبة يتزايد فيها الارتباط العالمي واعتماد العالم على بعضه البعض.
 
وعليه, فإن ما يقلقني بخصوص اليونان وأوروبا بدرجة أكبر، هو أنها تقترب من مرحلة تحتاج فيها إلى مصادر القوة أو أزرار للتحكم, وعندها سيكون هناك نظام عالمي جديد.
 
وإذا كان تشاؤمي تسبب في عدم ارتياحك, فيمكنني أن أعطيك سببا وجيها لعدم الاكتراث به, إذ ربما كنت على صواب بخصوص حرب العراق, لكن سجلي كمتنبئ اقتصادي ليس أفضل من النصف وربما أسوأ, فهل أنت في حالة أفضل الآن؟
المصدر : فورين بوليسي

التعليقات