يتساءل الكاتب الأميركي جيمس تروب في مقاله الأسبوعي بمجلة فورين بوليسي قائلا: من هم أصحاب حقوق الإنسان؟ ويرصد في مقالته المطولة أن الدفاع عن حقوق كهذه بدأه أهل اليسار تاريخيا، لكن القوى والناشطين اليمينيين أيضا باتوا يهتمون بذلك حسب قوله. 
 
حقوق الإنسان
ويفتتح تروب مقالته بالرد على تساؤله الآنف بالقول إن أصحاب حقوق الإنسان كانوا هم أهل اليسار المناوئ للفاشية الذي شكل نواة فرنسا الحرة وحارب الديكتاتور الإسباني فرانسيسكو فرانكو، والذي تظاهر في الشوارع من اجل الدفاع عن العمال ضد استغلال الرأسمالية, ومن ثم فقد تسبب خطر الفاشية في تمهيد الطريق أمام بروز الشيوعية وثورة العالم الثالث.
 
ويضيف تروب الذي يكتب بصورة مستمرة في نيويورك تايمز ماغازين ومؤلف كتاب "أجندة الحرية": بعد ذلك حصل انقسام في اليسار أولا حول ستالين ثم كاسترو وهوشي منه وجبهة السندانيين في نيكاراغوا, وابتهج المنشقون السوفيات حينما هدد الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان وأرعد قائلا "سيد غورباتشوف اهدم هذا الجدار".
 
وبحسب المقال فقد كان الأدباء الكبار الناطقون باسم حقوق الإنسان مثل هافيل, ميلوسيز, سولزنيتزم، هم المناهضون للاستبداديين من خلف الستار الحديدي, وبعد ذلك انهار الجدار وفقد الحكم المطلق مده الآيديولوجي.
 
ويضيف: نحن نعيش الآن في حقبة ميلوسيفيتش, وإبادة شعب الهوتو, والحكم الديني الإيراني والحكم المطلق المتجسد في كل من بوتين أو مبارك، وعليه فمن هم أصحاب حقوق الإنسان؟
 
يقول جيمس تروب: حضرت الأسبوع الماضي الاجتماع السنوي الثاني لمنتدى الحرية في أوسلو وكان منبرا كبيرا لشهادات أدلى بها رجال ونساء ممن تصدوا لأسوأ الحكام المستبدين في العالم البارعين في تأليف المسرحيات, وكان هذا المنتدى إحدى بنات أفكار ثور هاليورسين ابن الرابعة والثلاثين والمولود في فنزويلا وهو أميركي من أصول نرويجية, وحينما قابلته لأول مرة قبل ثلاث سنوات كان يثرثر وهو يدور بين عدد من الغرف في الطابق الثامن في بناية أمباير ستيت وهو يجمع صناديق مملوءة بدبابيس (بروشورات) وأقراص مدمجة لتهريبها إلى كوبا عن طريق شبان متطوعين ومتحمسين.
 
مناهض للشيوعية
 
وكان هاليورسين من اليمين المناهض للشيوعية التي دبت فيها الحياة من جديد بصعود الحكام الشعبيين المستبدين في أميركا اللاتينية بمن فيهم هوغو شافيز في فنزويلا وإيفو موراليس في بوليفيا.
 
لكن هاليورسين له طموحات وهو حاضر أبعد من الحدود العقائدية والجغرافية لمؤسسته التي تعنى بحقوق الإنسان, فهو يمضي نصف وقته في هوليوود كمنتج أفلام ويحاول القفز من  طراز فن الجدل المماري إلى ما هو أحدث.
 
وقد انتهى هاليورسين مؤخرا من إنتاج فيلم يستغرق 25 دقيقة بعنوان ( 2081) عن قصة كورت فينيغت "هاريسون بيرغرون" الذي قال عنه أحد مساعديه بأنه يجسد رؤية أو تصور أيان رانديان حول المستقبل والذي سيواجه  فيه أناس موهوبون معوقات من أجل أن يهبطوا إلى مستوى جماهير  أقل موهبة.
 
وعندما سألت هاليورسين عن الطريقة التي خطط بها لتسويق عمل جدلي خيالي قال "لن يمنحك الناس في هوليوود مبلغ 80 مليون دولار لعمل فيلم تدور أحداثه حول المستقبل, فأنت بحاجة إلى بطاقة زيارة". أما 2081 فلم يكن يبدو كبطاقة زيارة لثمانين مليون دولار, لكن هاليورسين رجل يجب عدم الاستهانة به.
 
منتدى حرية أوسلو
دخل منتدى حرية أوسلو عامه الثاني, واجتذب  حشدا كبيرا من الصحفيين والمشاهدين المحافظين والليبراليين، ولكن قائمة المتحدثين أعدت بعناية فيما يخص الطرفين: فبعد الصحفية المحافظة كلوديا روزيت التي تبغض الأمم المتحدة, جاء دور جوليان آسانغي الأسترالي المولد ومؤسس الموقع الإلكتروني ويكي ليكس وهو يكره أميركا.
 
وبدا المنتدى وكأنه خيط من ألحان بدون أوبرا, وتوالى صعود المتحدثين على المنصة للإدلاء بشهاداتهم: زعيمة الإيغور ربيعة قادر، ومختار ماي القروي الباكستاني الذي أصبح شخصية رائدة في مجال تبني حقوق النساء, وكذلك غاري كاسبروف وليخ فاليسا, ولم تكن هناك أسئلة من جانب المشاهدين وكانت النتيجة مذهلة أحيانا.
 
"
قدم الإستونيون والبولنديون الكثير ضد الاتحاد السوفياتي الذي ينخره السوس أكثر مما قام به الإيغور ضد الصين
"
لكن هاليورسين وعلى خلاف معظم المناصرين لحقوق الإنسان يعرف أن الحقيقة غير المنمقة يمكن ألا تجد  طريقها في العالم, وقد طلب من المتحدثين إبراز صور, وقد قام مارت لار أحد زعماء حركة الاستقلال الإستونية ضد الاتحاد السوفياتي بعرض شريط فيديو يوضح ثورة بلاده المعروفة باسم "ثورة الغناء" وفيه تظهر رئيس الجوقة بلباس أبيض يقود بحماس جمهورا يقدر عدده بمائتي ألف يغنون الأغاني الوطنية الديمقراطية الشعبية والرومانسية.
 
أما هاليورسين نفسه فقد عرض صورا, حيث استأجر إليزابيث شامبرز وهي مراسلة لقناة Ei news والتي تشبه إلى حد بعيد أنجلينا جولي لتعمل كواحدة من "مذيعيه" وقدمت مداخلتها وهي ترتدي فستان كوكتيل أسود قصيرا، وأجرت مقابلة مع الاقتصادي البيروفياني هيرناندو دي سكوتو عن طريق الفيديو، وسألته وهي عاقدة الحاجبين "ما مدى أهمية الديمقراطية ؟".
 
ماذا يعني منتدى حرية أوسلو إن كان هناك ما يعنيه؟
 
ربما كان من الواضح جدا وجود رجال ونساء مسلحين بسلاح لا يوجد ما هو أقوى منه وهو الضمير الذي لا يقهر والأيمان الراسخ الجامح والمنطلق الذي يمكنه أن يتحدى، وأحيانا يهزم الأنظمة الأكثر وحشية والتي لا تؤمن بالقيم البشرية, ولكنهم بالطبع لا يقدرون على ذلك أحيانا.
 
فقد قدم الإستونيون والبولنديون الكثير ضد الاتحاد السوفياتي الذي ينخره السوس أكثر مما قام به الإيغور ضد الصين, أما الناشطون المناهضون لكاسترو من أمثال هاليورسون  فقد نجحوا في الحط من مصداقية نظام كاسترو دون أن يكونوا قاب قوسين أو أدنى من الإطاحة به. ويبدو أن الأصوليين الإيرانيين والشيوعيين الفيتناميين هم الآخرون بنفس الدرجة من العناد والحقد.
 
"
ما زال هناك يمين ويسار بين أنصار حقوق الإنسان دون أن يمكن لأي من الطرفين الادعاء بملكية ذلك
"
شجاعة المعارضة
إن السمة الحاسمة والجوهرية لا تتمثل في الشجاعة الأخلاقية للمعارضة ولكنها في قوة الأنظمة التي لا تنحصر في وسائل القمع فقط ولكن في شعبيتها على المستوى المحلي وثقتها في نفسها, ولم يعد نشطاء حقوق الإنسان يواجهون نزعة الأنظمة المنفلتة من عقالها لقمع المواطنين حين خروجهم إلى الشوارع للتظاهر.
 
وكان أود كيالبين نائب رئيس بلدية أوسلو قد قال في حفل الافتتاح  -الذي عقد في  قاعة مدينة أوسلو الفخمة حيث يتم توزيع جوائز نوبل سنويا- إن الأنظمة المستبدة ضعيفة حتى النخاع وإن" فرائصها ترتعد من صوت الحقيقة", يا ليت الأمر كان كذلك.
 
ما الذي يمكن عمله من قبل بقيتنا ممن لا يعيشون في بلدان كريهة أو ممن لا يملكون الشجاعة أو الإيمان بالعمل ضد الأنظمة الأسوأ! يعتمد الجواب في جزء منه على من هم أصحاب حقوق الإنسان.
 
فعلاوة على موقف هاليورسين النابع من الضمير الذي يرفض الاحتكام إلى السلاح والخدمة العسكرية فإن منتدى حرية أوسلو قدم جوابا صريحا أو ضمنيا لمشكلة الظلم الممنهج, فبعد عرض نصيحة مسجلة على شريط إلى المنشقين الكوبيين عبر العلب المهربة, قال هاليورسون بوضوح وعزم وثقة "ليست الحرية وسيلة للوصول إلى هدف, فهي الهدف بحد ذاته".
 
وكان الاعتقاد بكون الحرية طموح الإنسانية العظيم في صلب سياسة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الذي روج لتبني الديمقراطية, ولكن هذه المقولة الواضحة لم تكن هي القضية التي أخذها كل من بوش وهاليورسين مأخذ الجد.
 
فعلى سبيل المثال كثيرا ما يتحدث الرئيس باراك أوباما عن الحريات الأربع والتي تشمل "الحرية من العوز"، ولكن ليس الحرية من الظلم والاستبداد, ويركز أوباما على التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وينبع ميله للتقليل من أهمية الانتخابات بسبب اعتقاده بأن الحرية لا تعني شيئا بالنسبة للناس الذين يعانون المتاعب والمعاناة, اللهم إلا إذا فهمت على أنها ليست هي خاتمة المطاف بحد ذاتها ولكن كوسيلة من أجل الازدهار والعدالة الاجتماعية.
 
يمين ويسار
ومن الممكن الأخذ بهذا الرأي دون الاستسلام لمزاعم الطغاة الذين لا يؤمنون بطيبة الدوافع البشرية والتي تنادي بتأجيل الحريات السياسية إلى أجل بعيد.
 
"
ما زال هناك يمين ويسار بين أنصار حقوق الإنسان دون أن يمكن لأي من الطرفين الادعاء بملكية ذلك ودون أن يستطيع أي من الطرفين الدفاع عن فئة سياسية من منتهكي حقوق الإنسان تتمتع بالحماية
"
وعليه فما زال هناك يمين ويسار بين أنصار حقوق الإنسان دون أن يمكن لأي من الطرفين الادعاء بملكية ذلك، ودون أن يستطيع أي من الطرفين الدفاع عن فئة سياسية من منتهكي حقوق الإنسان تتمتع بالحماية، مع وجود استثناء مهم واحد وربما اثنين، فلم يتم التطرق ببنت شفة إلى كل من أبو غريب وغوانتانامو في أوسلو مما يوفر أسباب السخرية من سوية أخلاقيات أولئك الذين ينتقدون عمليات التعذيب التي تقوم بها الولايات المتحدة كما هو الحال في أنظمة كل من زيمبابوي أو بورما.
 
كما أن إسرائيل تعتبر نقطة  نزاع أخرى, ولكن الاختلاف الحقيقي في الرأي يدور حول الحلول أكثر منه حول ارتكاب المخالفات والأفعال السيئة, وقد منحت إدارة بوش الحرية لشعبي العراق وأفغانستان من بين براثن الحكم القمعي بالطبع مع القليل من الاكتراث للحاجة إلى التنمية المنظمة في مجال الحكم الرشيد والتنمية الاقتصادية.
 
ومن الناحية الأخرى فربما سيكون أوباما مستعدا للتضحية بالحرية على مذبح التنمية, ومن المؤكد أن هذا حكم سابق لأوانه، ولكن إن كان حقا يعتقد وكما يبدو ذلك, حينما  قدم وعودا رنانة خلال حديثه في القاهرة ومن قبيل مؤتمر "قمة المنتجين والمديرين" الذي عقد في الأسبوع الماضي, فلن يكون حظه بأن يخلده التاريخ على أنه بطل في مجال حقوق الإنسان أكثر من بوش.
 
يقول هاليورسين إنه يخطط للمزيد من منتديات الحرية ليس في أوسلو فحسب, بل في تايبه, وسان فرانسيسكو ونيويورك، وسيكون بإمكانه تقديم خدمة مختلفة للعالم عن طريق توجيه السؤال من قبل مذيعته الماكرة "ما مدى أهمية الديمقراطية".

المصدر : فورين بوليسي