باكاييف استقال ولجأ إلى كزاخستان (الفرنسية)

لا أدل على الوضع المؤسف للسياسة الأميركية في قرغيزستان كما كتب ديفد كرايمر في مجلة "السياسة الخارجية"، من هاتين الصورتين اللتين ميّزتا الأسبوع الماضي، فبينما كان هذا البلد يحترق فعليا واندفع الآلاف إلى شوارعه في احتجاجات على كرمان بك باكييف قتل فيها أكثر من 80 شخصا، كان ماكسيم نجل هذا الرئيس يزور واشنطن ليتشاور مع مسؤوليها، وهو المتهم على نطاق واسع كوالده بالفساد وانتهاك حقوق الإنسان.
 
وقال كرايمر في مقال بعنوان "عندما صمتت أميركا وقرغيزستان تحترق" إن الشغل الشاغل لواشنطن في قرغيزستان كان لسنوات إبقاء قاعدة "ماناس" الجوية مفتوحة، علما بأن 50 ألف جندي أميركي في أفغانستان عبروا هذه المنشأة الشهر الماضي.
 
وكان باكييف قد هدد في موسكو العام الماضي بإغلاقها بعدما عرض عليه الروس ملياري دولار، لكنه خدعهم ووافق على إبقائها مفتوحة بعدما رفعت واشنطن سعر التأجير من 18 إلى 60 مليون دولار، ووعدت بـ100 مليون دولار مساعدة تشمل إقامة مركز لمحاربة الإرهاب.
 

"
المعارضة رأت أن واشنطن كانت مستعدة لأن تدفع لباكييف أي ثمن بما فيه غض النظر عن حقوق الإنسان مقابل إبقاء قاعدتها الجوية مفتوحة
"

بأي ثمن
لقد رأت معارضة قرغيزستان أن واشنطن كانت مستعدة لأن تدفع لباكييف أي ثمن بما فيه غض النظر عن وضع حقوق الإنسان المتدهور، مما أبقى هو على ماناس مفتوحة، وهو اتهام نفاه المتحدث باسم الخارجية الأميركية فيليب كراولي بقوله "لقد أوضحنا بجلاء للحكومة (في قرغيزستان) قلقنا من انتهاكها لحقوق الإنسان ومن فسادها".
 
لم تتحدث واشنطن عن مشاكل قرغيزستان في الأشهر القليلة الماضية سوى مرتين: في اجتماع لمنظمة الأمن والتعاون بأوروبا في يناير/كانون الثاني الماضي بفيينا حينما تطرقت إلى مقتل صحفي قرغيزي ألقي به قبل شهر من ذلك التاريخ من الطابق السادس لفندق في ألماآتا الكازاخستانية، والثانية في الشهر الماضي في تقرير سنوي لحقوق الإنسان يغطي سلوك كل الدول.
لكن السفارة الأميركية في بشكيك لم تنشر هذا العام على موقعها تعليقات علنية تعبر عن القلق من وضع حقوق الإنسان في هذا البلد.
 
لقد أقر تقرير حقوق الإنسان بأن انتخابات رئاسة قرغيزستان لم تستجب لالتزامات الحكومة بالتقيد بالمعايير الدولية، ووُضعت فيها عقبات كبيرة أمام المعارضة، إضافة إلى التخويف والفوضى التي شهدها الاقتراع واستخدام الموارد الحكومية لمصالح سياسية، مما أثار شكوكا في أن يكون باكييف قد انتخب أصلا رئيسا للبلاد بطريقة ديمقراطية حقا.
 
وعبّر الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون خلال زيارة حديثة إلى آسيا الوسطى عن قلقه لحقوق الإنسان في المنطقة، وقال في البرلمان القرغيزي قبل أربعة أيام من الاحتجاجات إن منظمته "تعتبر الحفاظ على حقوق الإنسان الركن الأول والأساس لازدهار بلد ما.. كل حقوق الإنسان يجب حمايتها بما فيها الحق في التعبير وحرية الصحافة".
 
ناقوس الخطر
لأشهر دقت منظمات حقوق الإنسان ناقوس الخطر بشأن تفاقم وضع حقوق الإنسان في هذا البلد، لكن حكومات الغرب التزمت الصمت، ولم تبد الولايات المتحدة اكتراثا.
 
لقد خفض بيت الحرية التابع لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا ترتيب قرغيزستان في يناير/كانون الثاني الماضي من بلد به حرية جزئية إلى بلد لا حرية فيه، وذلك في ضوء استمرار تعرض الصحفيين وعائلاتهم للاضطهاد، فقد قتل صحفي في كزاخستان وطعن آخر يعمل في تلفزيون ستان وأشارت أصابع الاتهام إلى المخابرات القرغيزية.
 
"
واشنطن استحوذ عليها هاجس الإبقاء على القاعدة مفتوحة وبعثت رسائل متضاربة بشأن الأحداث الأخيرة
"
وحذر ممثل منظمة الأمن والتعاون الأوروبي لشؤون الإعلام في ديسمبر/كانون الأول الماضي من تفاقم العنف ضد الصحفيين، لكن الوضع ساء إذ شُوّش على القنوات الأجنبية، ومنع القضاء صحيفتين مؤيدتين للمعارضة وغرمهما بتهمة إهانة باكييف، وأغلق بالشمع الأحمر قبيل وصول بان كي مون تلفزيون ستان بذريعة التهرب الضريبي واستخدام أجهزة الحاسوب بطريقة غير قانونية، واختفى العديد من نشطاء حقوق الإنسان القرغيزيين وفر آخرون، وأمام كل ذلك التزمت واشنطن الصمت.
 
فر باكييف بعد الاحتجاجات إلى الجنوب، وأبدى رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين دعمه القوي للحكومة المؤقتة، وهو ما أثار تكهنات بأن تكون حكومته لعبت دورا في الإطاحة بباكييف أكبر من ذلك الذي حاولت الإدارة الأميركية الإيحاء به. أما وسائل الإعلام الروسية فهاجمت باكييف، ويعود ذلك جزئيا إلى لعبه على حبلين فيما تعلق بقاعدة "ماناس".
 
أما واشنطن فاستحوذ عليها هاجس الإبقاء على "ماناس" مفتوحة، وكانت تبعث رسائل متضاربة بشأن الأحداث الأخيرة، وهناك زعماء عديدون في الحكومة المؤقتة ما زالوا يشعرون بالإدارة الأميركية في السابق أطلقت يد باكييف ما دامت القاعدة مفتوحة.

المصدر : فورين بوليسي