القوات الأميركية تكبدت خسائر فادحة في الحرب على أفغانستان (الفرنسية-أرشيف)

دعا الكاتب الأميركي برنارد فنيل الإدارة الأميركية إلى اللجوء إلى إستراتيجية بديلة في الحرب على أفغانستان تتمثل في التفاوض مع حركة طالبان من أجل الوصول إلى سلام الحل الوسط، لما كان النصر العسكري مسألة مستحيلة.

وانتقد فنيل قرار الرئيس الأميركي باراك أوباما في الصيف الماضي والذي تمثل في تصعيد الوجود العسكري الأميريكي في أفغانستان بدعوى دحر قوات "التمرد" والحيلولة دون عودة حركة طالبان للسلطة في البلاد.

ومضى الكاتب في مقال نشرته له مجلة فورين إفيرز الأميركية بالقول إن نظرية أو عقيدة محاربة "التمرد" هي نتاج التجربة الأميركية في العراق وهي مستمدة من نظريات عمرها خمسون سنة, والتي تعتبر "المتمردين" هما ثانويا وترى أن التحدي الرئيسي في بلد مثل أفغانستان يتمثل في إضفاء الشرعية على الدولة وتوفير الظروف اللازمة للتنمية الاقتصادية على المدى البعيد وإقامة الحكم الرشيد.

ويقول فنيل إن هناك من ينتقد هذه النظرية بدعوى احتوائها على ثغرات, أولاها تحميل سوء الإدارة وزر مشاكل البلاد متجاهلين أهمية العوامل الأخرى بما فيها الخصومات الإتنية والخلافات العقائدية والصراعات القديمة لأجل تولي السلطة.

تعاظم قوة طالبان في أفغانستان (رويترز-أرشيف)
محاربة "التمرد"
ويتمثل ثاني تلك الثغرات في نظرية محاربة "التمرد" تلك في افتقار الحكومة وعدم قدرتها على توفير السلع والخدمات، وبالتالي عدم قدرتها على التركيز على أعمال العدو ومخططاته, بالإضافة إلى أن نظرية محاربة "التمرد" تتطلب إقامة بنى حكومية فاعلة تشجع النمو الاقتصادي وتعمل على التخلص من الفساد المستشري، وهي الأهداف التي لم يتحقق معظمها في تاريخ التنمية الدولية الطويل والكئيب في أفغانستان.

وأضاف فنيل أن قائد قوات حلف شمال الأطلسي (ناتو) في أفغانستان الجنرال الأميركي ستانلي ماكريستال حصل على تعزيزات عسكرية إضافية، ولكن ضمن إطارعمل قصير, فقد تبنى مهاجمة وتدمير معاقل "المتمردين" بدلا من التركيز على أمن السكان.

وأشار إلى أن الهجوم الأخير على مرجة جنوبي أفغانستان، وهي منطقة قليلة السكان والموارد الاقتصادية، لم يكن هدفا مناسبا لحملة تركز على السكان, إلا أنه شكل هدفا نموذجيا لمحاربة العدو بالنظر إلى قوة "المتمردين" في المنطقة، ونفس الشيء يمكن أن ينطبق على قندهار التي يتم الاستعداد للهجوم عليها بوصفها أكثر معاقل حركة طالبان تحصينا.

وتركز الحملات الناجحة على "الإرهاب" عادة على العدو واكتشاف معاقله وتدمير منظماته, بغض النظر عن التعامل بقسوة مع السكان، ومثال ذلك ما فعلته الحكومة السريلانكية مؤخرا حينما قضت على نمور التاميل.

ولكن الولايات المتحدة ولأسباب أخلاقية وعملية لم ترغب في انتهاج هذا السبيل مفضلة التأثير على قرارات زعماء "التمرد, واستئصال شأفة قوتهم وكسر شوكتهم.

"
أفغانستان تشهد حربا أهلية في ظل وجود المئات من النزاعات المحلية والتاريخية المحضة بين القرى والنخب المحلية والعائلات والقبائل
"
حرب أهلية
وأضاف الكاتب أنه في ظل وجود العديد من النزاعات المحلية والتاريخية المحضة بين القوى والنخب المحلية والعائلات والقبائل في أفغانستان، فإن الحكومة التي ستتشكل ستكون مؤلفة من أفراد ومجموعات من كلا الجانبين المتخاصمين حاليا.

ويرى فنيل أن ما يجري في أفغانستان هو حرب أهلية بحق وحقيق، وأنه يجب أن يكون هدف الولايات المتحدة هو المصالحة بين الأفغانيين واستبعاد الأجانب سواء كانوا من "إرهابيي" القاعدة أو من المسؤولين الحكوميين من الهند أو إيران أو باكستان أو الولايات المتحدة نفسها.

ويمضي الكاتب إلى أن جدول أوباما الزمني القصير والصعوبات القوية التي تواجه إقامة التنمية الاقتصادية والحكم الرشيد في واحد من أشد بلدان المعمورة فقرا، بالإضافة إلى الحرب التي تمزق أواصر البلاد, كلها عوامل تجعل من النصر العسكري الأميركي من خلال "الإستراتيجية" التي تركز على استمالة السكان أمرا مستحيلا.

كما أن الهجمات العسكرية القوية التي تستهدف العدو وتدمير معاقله وإضعاف شوكته ستجعل من تحقيق "المتمردين" للنصر أيضا أمرا بعيد المنال.

وعندما يقر كل من "المتمردين" والقوات الأجنبية بهذه الحقيقة المتمثلة في استحالة النصر, فستبدأ المساومات فيما بينهم بشأن تفاصيل الخطوة التالية, وهي من وجهة نظر الولايات المتحدة تتمثل في حدها الأدنى في الالتزام بطرد القاعدة من البلاد والقبول بمعايير لحقوق الإنسان كما هي الحال في السعودية كحد أدنى.

استحالة النصر
ويرى الكاتب أنه عندما يكون النصر العسكري أمرا مستحيلا، فإن الحل يكمن في ما يوصف بسلام الحل الوسط وهو الذي يتم عادة عبر التسوية.

ويمضي بالقول إنه من حسن حظ الولايات المتحدة أن لها أوراقا مهمة في أفغانستان, موضحا أنه من أجل إقناع كبار قادة "التمرد" بالجنوح إلى التسوية, فيجب على واشنطن الاستمرار في الضغط والهجوم على معاقل "المتمردين" ونصب الكمائن التي من شأنها كشفهم وقمعهم.




كما دعا فنيل القادة السياسيين إلى الاستفادة من ما سماه نجاح ماكريستال في ميدان المعارك, وتحويل التغير في موازين القوى إلى إستراتيجية تفاوضية تعرض على المتمردين ما هو أكثر من مجرد إلقاء السلاح، مما يسفر عن تعزيز الأمن القومي الأميركي، في ظل عدم التمكن من إحراز نصر عسكري مبين لأي من الجانبين.

المصدر : فورين أفيرز